شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٢٩
العالم بل كأنه في عالم آخر بين العالمين (١) ولقد رأى بعض الصالحين - ممن اصدقه في عقايده وأعماله - جماعة من الناس في جنب كل واحد منهم كلب بحقيقة الكلبية وصورته، له ذنب واذن وعينان ورأس وفم وشعر مثل الكلب المشاهد. وأما دار الآخرة فلما كان موطن بروز الحقايق بصورها الذاتية بلا التباس يحشر بعض الناس على صورة القردة والخنازير أو الكلاب أو الذر، فأولئك لعدم المطابقة بين ظاهرهم وباطنهم وإبطالهم الحقيقة الانسانية وإفسادهم قوة الاستعداد للسعادة الاخروية أضل من الأنعام للمطابقة بين ظاهرها وباطنها وعدم إبطالها الحقيقة الحيوانية والقوة الاستعدادية. (وقال لا يقاتلونكم) ضمير الخطاب للرسول ومن معه من المؤمنين وضمير الغائب لليهود والمنافقين إذ وعد المنافقون اليهود بالنصرة على قتال المؤمنين (جميعا) أي مجتمعين في محاربتكم (إلا في قرى محصنة) بالحصون والقلاع والدروب والخنادق (أو من وراء جدر) لشدة رهبتهم منكم، ولما توهم منه أن يكون ذلك لضعف حالهم وقلة عدتهم وعدتهم دفعه على سبيل التكميل بقوله (بأسهم بينهم شديد) يعني ليس ذلك لضعف حالهم وقلة شوكتهم إذ يشد بأسهم إذا حارب بعضهم بعضا بل لأن الله تعالى قذف الرعب في قلوبهم والرهبة في صدورهم (تحسبهم جميعا) أي مجتمعين في الحاربة متفقين على الالفة والمحبة (وقلوبهم شتى) أي متفرقة غير متفقة في الأمر لاختلاف عقايدهم وافتراق مقاصدهم، وذلك يوجب اختلافهم في الامور وفيه تقوية للمؤمنين وتحريضهم على القتال (ذلك) أي تشتت قلوبهم وهذا وإن كان معنى غير محسوس لكن لظهور آثاره أعني تباين كلمتهم وافتراق شملهم صار بمنزلة المحسوس فاستحق الاشارة إليه (بأنهم) أي بسبب أنهم (قوم لا يعقلون) إذ العقلاء متوافقون في أمر ظاهرا وباطنا وقلوبهم غير متفرقة فيه، لأن دينهم واحد بخلاف الجهلاء، لأن طرق الجهل متعددة فلا جرم قلوبهم متفرقة متفاوتة بحسب تفاوت أغراضهم، ولذلك قيل: العقل فن واحد والجنون فنون، ويحتمل أن يكون المراد أنهم قوم لا يفقهون ما فيه صلاحهم وبقاء شملهم وإن تشتت قلوبهم يوجب وهنهم وافتراقهم، ففي الأول إشارة إلى علة التشتت وفي الثاني إلى عدم علمهم بغايته، ولك أن تجعل ذلك إشارة إلى شدة بأسهم بينهم واختيارهم قرى محصنة خوفا من المؤمنين يعني أن كل ذلك لعدم عقلهم إذ العقلاء لا بأس بينهم بل هم كنفس واحدة ولا يخافون إلا الله ولا يرهبون إلا منه، وهؤلاء أشد رهبة في صدرو المؤمنين من الله عز شأنه. ١ - وهو عالم البززخ المتوسط بين العالم المادى المحسوس وعالم الآخرة وصور عالم البرزخ ذات مقدار مجرد عن المادة بخلاف صور هذا العالم فإنها مادية وبخلاف صور العالم الروحانى المجرد عن كل شئ (ش). (*)