شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٢٢
إشارة إلى المثل المذكور ونظايره من الأمثال المذكورة في القرآن المجيد * (نضربها للناس) * تقريبا لما بعد من أفهامهم وتفهيما لما شرد عن أذهانهم إذ المثل يبرز المعقول بصورة المحسوس وذلك أسهل في التفهيم وأجدر في التعليم لمن ألف طبعه بالمحسوسات واشمأز عقله عن المعقولات. ولذلك قال سيد المرسلين (نحن معاشر الأنبياء امرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم) (١) * (وما يعقلها إلا العالمون) * لأنهم يعرفون بنور بصيرتهم وضياء سريرتهم حسن مبانيها ولطف معانيها وكيفية ارتباطها بالمقصود وطريق دلالتها على المطلوب وينتقلون من ظاهرها إلى باطنها ومن محسوسها إلى معقولها بل يجدون عالم المحسوس كله مثالا لعالم المعقول ويعلمون أن كل صورة محسوسة في هذا العالم لها صورة حقيقية وحقيقة عقلية في العالم المعقول يرشد إلى ذلك ما نقل عن أبي جعفر (عليه السلام) حين سأله النصراني فقال له: أخبرني عن أهل الجنة كيف صاروا يأكلون ولا يتغوطون أعطني مثلهم في الدنيا فقال (عليه السلام): " هذا الجنين في بطن أمه يأكل مما تأكل امه ولا يتغوط " (٢) وما نقل عن بعض أئمتنا (عليه السلام) حين سئل عن الأجساد المعادة يوم القيامة هل هي عين الأول أو غيره قال: لاعينه ولا غيره، فقيل: أخبرني عن مثله في الدنيا فقال مثل اللبنة المضروبة بقالب مخصوصة فإنها إذا كسرت وضربت تارة اخرى بذلك القالب ليست عين الاولى ولا غيرها " (٣) وبالجملة ما من صورة في الدنيا إلا وله حقيقة في عالم العقول والآخرة (٤) وما من معنى حقيقي فيهما إلا وله مثال ١ - الكافي كتاب العقل والجهل - ح ١٥. ٢ - رواه الراوندي في الخرائج والجرائح ص ١٩٧ في حيث طويل. ٣ - راجع بحار الانوار المجلد الثالث باب اثبات الحشر وكيفته ص ١٩٠ الى ٢٠٠. ٤ - قوله " في عالم العقول والآخرة " ما في عالم العقول وعالم الآخرة حقيقة وما في الدنيا صورة لها وتلك الحكم والمصالح والجمال التي نراها في الموجودات الدنيونية ليست إلا ظلا لوجود حقايقها في ذلك العالم ترى أن الخاتم إذا كانت كتابته حسنة جيدة كان النقش الذي يرتسم به على القرطاس خطا حسنا وظل الجسم مثله في الشكل كذلك كل موجود في الدنيا كالنقش في القرطاس من خاتم روحاني ولا يعرف ذلك إلا الراسخون في العلم وسائر الناس يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون وأين الطبيعة من نقش ألوان ريش الطاووس لولا أن ذلك عكس لعاكس جميل روحاني بدا صورته فيه كنقش الخاتم ولذلك نقول لا قبيح ولا شر في الوجود كما مر، ويتبادر إلى الذهن من هذه العبارة ان عالم العقول وعالم الآخرة واحد في مقابل الدنيا وأن حقيقة واحدة تكون في الدنيا مثالا وصورة، وفي الآخرة أو عالم العقول معنى حقيقيا وربما يتوهم الجاهل من اتال هذه العبارات أن قائلها معتقد للمعاد الروحانى فقط دون الجسماني إذ جعل عالم الآخرة عالما عقليا وأن عالم الاجسام عنده هو الدنيا دون الآخرة وليس مرادهم نفى المعاد الجسماني قطعا بل الشارح واترابه قائلون بتجسم الاعمال والمعاني المجردة والاعتقادات في الآخرة كما مر التصريح به منه وسيصرح به أيضا وتعبيراتهم هنا مبنية على ذلك فأجسام عالم الآخرة باعتبار ان منشأ = (*)