شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٢١
بعد الطلب أهم وأوقع في النفس وأدخل في التعظيم. الرابع: أن لا يتطرق الحزن إلى خاطره (عليه السلام) إذ لو قدم تعذيب أهل القرية على تنجية المؤمنين كان ذلك موهما ابتداء لتعميم العذاب وشموله كل من فيها * (رجزا من السماء) * أي عذابا واختلفوا فيه فقيل: هو حجارة من سجيل، وقيل: هو نار، وقيل: هو تقليب الأرض وجعل عاليها سافلها. والمراد بانزاله إنزال مبدئه والقضاء به من السماء لاعينه * (بما كانوا يفسقون) * أي بسبب فسقهم. وفيه دلالة على استمرارهم فيه وعدم انزجارهم عنه أصلا، وإنما علل التعذيب بالفسق دون التنجية بالايمان ونحوه، لأن الرحمة بالذات فلا يحتاج التعليل بخلاف الغضب فإنه أمر عرضي نشأ لعلة * (ولقد تركنا منها) * أي من القرية * (آية بينة) * دالة على سوء عاقبة الفاسقين، قيل: هي حكايتها الشايعة، وقيل: هي آثار الديار الخربة، وقيل: هي الحجارة الممطورة بعد تقليب الأرض فإنها كانت باقية بعده، وقيل: هي الماء الأسود فإن أنهارها صارت مسودة * (لقوم يعقلون) * أي لقوم لهم عقل وبصيرة فيستبصرون ويعتبرون أن الفسق يوجب خراب الديار وعقوبة الدنيا والآخرة. (يا هشام إن العقل مع العلم) المراد بالعقل هنا نور يعرف به حقائق الأشياء على ماهي عليه في نفس الأمر وهو العقل بالفعل أو العقل المستفاد، والعلم هو هذه المعرفة ولاخفاء في التلازم بينهما وعدم انفكاك أحدهما عن الآخر وإنما آكده مع ظهوره دفعا لتوهم ما هو المتعارف عند الجمهور حيث يقولون لمن له روية وكياسة في امور الدنيا أنه عاقل فإن تلك الروية ليست بعقل بل هي شيطنة ونكراء، وما هو المتعارف عندهم أيضا حيث يطلقون العقل على الغريزة التي يتميز الإنسان بها عن البهائم فإن ذلك يتحقق في الصبيان والجهال مع أنهم معزولون عن المدح والكمال بل المراد به ذلك النور الذي لا يفارق العلم والعرفان والعقلاء هم العلماء الربانيون والحكماء الإلهيون (١) الذين قال الله تعالى في شأنهم * (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا) * فقال * (وتلك الأمثال) * لما مثل سبحانه حال الذين اتخذوا من دون الله أولياء واتكلوا عليهم واعتمدوا بهم بحال العنكبوت اتخذت ببتا في الوهن والضعف فكما أن الثاني لايقي الحر والبرد وينهدم بورود أدنى شئ عليه كذلك الأول لا يدفع حر العذاب عنهم يوم القيامة ولا يقيهم شر ذلك اليوم ولا ينهدم أساسه بالكلية بورود صرصر غضب الله عليهم عقبه بقوله وتلك الأمثال ١ - قوله: " والحكماء الالهيون " مدح الحكماء وتعظيم الحكمة لا ينافى ما تقدم منه وما يأتي في بعض عباراته من تخطئة الفلاسفة، لأن الغرض من ذم الفلاسفة المقلدة منهم كما ذكرنا لا الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه. والحكماء أنفسهم يتبرمون ممن يتناول الحكمة وليس له بأهل وليس له هم إلا حفظ الاصطلاح وسماهم الفارابى الفيلسوف البهرج. (ش) (*)