اخبار الاولياء المسمى رساله صفى الدين بن ظافر - صفي الدين بن ظافر - الصفحة ٩ - مقدمة التحقيق
و الذى لا شك فيه: أن المسلمين الأولين قد طفقوا منذ فجر الإسلام يتأملون فى المثل القرآنية العليا، ليتخذوا منها نبراسا، يضيئون به أعماق قلوبهم ليستكشفوا فى دخائلها عناصر الأحوال الروحية التى شاهدوها ممثلة فى نبيهم، بعد أن ظفرت بالرضى الإلهى العميم، و لقد ركزوا جهودهم الشخصية فى هذا التأمل، حتى بلغ عندهم من العمق حدا لم يظفر بمثله كافة المسلمين، و هذا الذى سماه الحسن البصرى فيما بعد «علم الخواطر و القلوب».
و مما لا سبيل إلى الريب فيه، بأى وجه من الوجوه، أن المصدر الأول الذى أرشد المسلمين إلى هذا الصراط السوى، و أنار لهم طريق العروج إلى رب العالمين، هو القرآن الكريم، و الأحاديث القدسية، و أن المصدر الثانى هو أقوال النبى الجليل صلوات اللّه عليه و سلامه، و أفعاله الظاهرية، و أحواله الباطنية التى كانوا يرونها ببصائرهم، و يستشفونها بقلوبهم، فيتخذون منها مثلهم العليا، و نماذجهم الرفيعة، و شموسهم الساطعة، التى تضىء لهم سبيل الحياة.
و من هذا يتضح أن السنة المحمدية عند هؤلاء الإسلاميين، هى التنسك، إذ أن الدين يكون ناقصا بدونه، بل يكون ناقصا من جهته السامية- أعنى جهة المركز الأساس- لذلك كانت فروضا رخيصة، تلك التى تذهب بالصوفية إلى أصل أجنبى «يونانى» أو «هندى» أو «فارسى» و هى معارضة بالمصطلحات الصوفية نفسها تلك المصطلحات الصوفية نفسها تلك المصطلحات التى ترتبط باللغة العربية ارتباطا وثيقا.
و إذا كان هناك من تشابه بين الصوفية و ما يماثلها فى البيئات الأخرى، فتفسير هذا طبيعى لا يحتاج إلى فرض الاستعارة، ذلك أنه ما دامت الحقيقة واحدة فإن كل العقائد السنية تتحد فى جوهرها، و إن اختلفت فيما تلبسه من صور.