اخبار الاولياء المسمى رساله صفى الدين بن ظافر - صفي الدين بن ظافر - الصفحة ١٣ - مقدمة التحقيق
يقول الدكتور محمد غلاب: «و فى الحق أنه لم يكد المتصوفة يعلنون أنهم يحاسبون القلوب و الضمائر، و ينشغلون بالبواطن دون الظواهر، حتى ثارت ثائرة الفقهاء، وهبوا يتهمونهم بالمروق على الشريعة التى تعلن فى وضوح: أنها تحكم بالظواهر و اللّه يتولى السرائر.
و إن الباحث يجد أن الصوفية فى القرن الثالث الهجرى، اتجهوا إلى الكلام عن معان لم تكن معروفة من قبل، فتكلموا عن الأخلاق و النفس، و السلوك، محددين طريقا إلى اللّه يترقى السالك له، فيما يعرف بالمقامات و الأحوال، و عن المعرفة و مناهجها، و وضعوا القواعد النظرية لهذا كله، كما حددوا رسوما عملية معينة لطريقتهم.
و يمكن أن يؤكد الدارس للتصوف: أن القرن الثالث هو بداية تكون علم التصوف بمعناه الدقيق، كذلك فى القرن الرابع، بحيث يمكن أن نعتبر تصوف هذين القرنين تصوفا، إسلاميا ناضجا اكتملت له كل مقوماته، حيث دخل التصوف دور المواجد، و الكشف، و الأذواق، و هذا الدور يقع فى القرنين الثالث و الرابع، اللذين يمثلان العصر الذهبى للتصوف الإسلامى فى أرقى و أصفى مراتبه.
و قد أصبح التصوف منذ القرن الثالث متميزا عن علم الفقه من ناحية الموضوع و المنهج و الغاية، و لا شك أنه كان لحركة تدوين العلوم الشرعية التى سبقت تدوين التصوف أثر فى ذلك: على نحو ما يقول ابن خلدون: «فلما كتبت العلوم و دونت، و ألف الفقهاء فى الفقه و أصوله، و الكلام و التفسير و غير ذلك، كتب رجال من أهل هذه الطريقة فى طريقهم، فمنهم من كتب فى الورع و محاسبة النفس على الاقتداء فى الأخذ و الترك.