اخبار الاولياء المسمى رساله صفى الدين بن ظافر - صفي الدين بن ظافر - الصفحة ١٢ - مقدمة التحقيق
و يعلق فضيلة الإمام الدكتور عبد الجليم محمود على كلام الغزالى فيقول:
و لكن ذلك لم يجعل منه صوفيا، و لم يكن الغزالى بهذه الكتب و لا بمطالعته لفلسفة اليونان، و دراسته لها دراسة عميقة: صوفيا، و لكن تبين أن أخص خواصهم، على حد تعبيره، ما لا يمكن الوصول إليه بالتعليم، بل بالذوق و الحال، و تبدل الصفات.
فليس التصوف ثقافة كسبية، تتأثر بهذا الاتجاه أو ذاك، و إنما هو ذوق و مشاهدة، يصل الإنسان إليهما عن طريق الخلوة، و الرياضة، و المجاهدة و الاشتياق، بتزكية النفس، و تهذيب الأخلاق، و تصفية القلب لذكر اللّه.
و قد توالت حركة التصوف بعد الصحابة عند التابعين، فى كثير من البساطة بحيث كانت مقوماتها الذاتية هى: التأمل فى آيات القرآن، و محاولة استكشاف أسرارها العميقة، و اقتناص مراميها البعيدة، و الزهادة، و كبح جماح النفس، و الاعتكاف و التنفل و التهجد.
و كان المتصوفة فى أول نشأتهم مفرقين، و لكنهم لم يلبثوا أن شعروا بالحاجة إلى اجتماعهم، و تأليفهم فى وحدة قوية، فتعارضوا و اجتمعوا فريقين: أحدهما فى البصرة، و ثانيهما فى الكوفة، و كوّن كل فريق منهما مدرسة لها تعاليمها و آراؤها التى تتفق مع ميوله الفطرية.
تضافر هذا التكتل الطارئ مع بعض الآراء التى أعلنها المتصوفة، و التى تبدو فى ظاهرها للوهلة الأولى شاذة عن التعاليم الإسلامية السلفية، على تكوين نوع من العداوة بينهم و بين الفقهاء المحدودى الدخل على أن الأوليين من المتصوفة، لم يكونوا يتوقعون أن تنشب الحرب بينهم و بين الفقهاء يوما ما، و أن يدس هؤلاء عند الخلفاء و الأمراء، و أن ينتهى الأمر بقتل بعضهم، و اضطهاد البعض الآخر.