فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٤٣ - ١٦ - خاتمة
هو الواحد الحق و الوجود المطلق، الظاهر من الأزل بصورة كل متعين. و العالم ظل اللَّه، لا وجود له في ذاته و لكنه من حيث عينه و جوهره قديم قدم اللَّه نفسه. و خلق العالم ليس إحداثاً له من العدم بل تجلي الحق الدائم في صور الوجود. و الرحمة الإلهية منح اللَّه الوجود للموجودات. و المعبود هو الحق الواحد مهما تعددت صور اعتقادات الخلق فيه. و الجنة و النار اسمان لنعيم القرب من اللَّه و عذاب الاحتجاب عنه. و الطاعة و المعصية اسمان لا مدلول لهما إلا في نظر التكاليف الشرعية إلخ إلخ.
و لكن منطق مذهب وحدة الوجود الذي يقضي القضاء التام على كيان أي دين منزَّل و يضيع معالم الألوهية بمعناها الديني الدقيق، لم يكن له ذلك الأثر الهادم في مذهب ابن عربي. فهو يهدم من ناحية ليبني من ناحية أخرى، بل يبني أحياناً على أنقاض ظاهر الشريعة ديناً أعمق في روحانيته و أوسع في أفقه و أكثر إرضاء للنزعة الانسانية العامة من كل ما تصوره أهل الظاهر من الفقهاء و المتكلمين عن الدين. و هو يحاول بكل ما أوتي من قوة و حيلة في الفكر أن يبقي على معنى الألوهية في مذهبه. فبدلًا من أن تتغلب عليه فكرة الوجود المادي فيعتبر الحقيقة قاصرة على العالم، و اللَّه اسماً على غير مسمى، غلبت عليه فكرة الوجود الروحي، فاعتبر الوجود الحق قاصراً على اللَّه، و العالم ظلًا له و صورة، و فرَّق بين وجهي الحقيقة الوجودية الواحدة (الحق و الخلق) على الرغم من العبارات الكثيرة التي يصرح فيها بعينيتهما. و هذه التفرقة على أساس أن الحق له الوجوب الذاتي الذي لا قَدَم لمحدث من المحدثات فيه.
الاسكندرية في ٢٣ رمضان سنة ١٣٦٥ (٢٠ أغسطس سنة ١٩٤٦) أبو العلا عفيفي