فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٤٠ - ١٥ - نتائج مذهب ابن عربي في المسائل الدينية و الخلقية
ثم القضاء و القدر ما شأنهما؟ أما القضاء فهو حكم اللَّه في الأشياء أن تكون على ما هي عليه في ذاتها كما علمها أزلًا، و هو لا يعلمها إلا على نحو ما تعطيه أعيانها كما ذكرنا. و أما القدر فهو توقيت حصول الشي ء كما تقتضيه طبيعة عينه. فكل ما يحكم به القضاء على الأشياء إنما يحكم به بواسطة الأشياء نفسها، لا بواسطة قوة خارجة عن طبيعتها، و هذا هو الذي يسميه ابن عربي «سر القدر» (الفص العُزَيري).
و على هذه النظرية الجبرية يرى ابن عربي أن كل شي ء يقرر مصيره بنفسه من حيث إن له حظاً من الموجود لا يتعداه، و هو لا يتعداه لأن عينه الثابتة اقتضته و لم تقتض غيره، و لأن اللَّه تعالى يعلم من الأزل أن هذا هو الأمر على ما هو عليه.
بل إن اللَّه نفسه لا يقدر أن يغير من ذلك شيئاً لأن إرادته لا تتعلق بمستحيل.
فالمؤمن و الكافر، و المطيع و العاصي، كل أولئك يظهرون في وجودهم على نحو ما كانوا عليه في ثبوتهم: أي على نحو ما كانت عليه أعيانهم الثابتة في علم الحق و في ذاته. و لذا قال تعالى: «وَ ما ظَلَمْناهُمْ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» و قال: «وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ». يقول ابن عربي في شرح ذلك:» أي ما قدرت عليهم الكفر الذي يشقيهم ثم طالبتهم بما ليس في وسعهم أن يأتوا به، بل ما عاملناهم إلا بحسب ما علمناهم، و ما علمناهم إلا بما أعطونا من نفوسهم بما هي عليه، فإن كان ظلم فهم الظالمون .. كذلك ما قلنا لهم إلا ما أعطته ذاتنا أن نقول لهم، و ذاتنا معلومة لنا بما هي عليه من أن نقول كذا و لا نقول كذا. فما قلنا إلا ما علمنا أن نقول. فلنا القول منا، و لهم الامتثال و عدم الامتثال مع السماع منهم» (الفص اللوطي). و يقول أيضاً: «فلا تحمدن إلا نفسك و لا تذمَّن إلا نفسك. أما الحق فلم يبق له إلا أن تحمده على إفاضة الوجود عليك، فإن ذلك له لا لك» (الفص الابراهيمي).