فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٨٦ - ٢٢ - فص حكمة إيناسية في كلمة إلياسية
جاءوا به في الخبر عن الجناب الإلهي، فأثبتوا ما أثبته العقل و زادوا[١] كأنهم في الصورة الدنيا لما يجري عليهم من أحكامها، و اللَّه تعالى قد حوَّلهم في بواطنهم في النشأة الأخروية، لا بد من ذلك. فهم بالصورة مجهولون إلا لمن كشف اللَّه عن بصيرته فأدرك. فما من عارف باللَّه من حيث التجلي الإلهي إلا و هو على النشأة الآخرة: قد حشر في دنياه و نشر في قبره «١٤»، فهو يرى ما لا ترون، و يشهد ما لا تشهدون، عناية من اللَّه ببعض عباده في ذلك. فمن أراد العثور على هذه الحكمة الإلياسية الإدريسية الذي أنشأه اللَّه نشأتين، فكان نبياً قبل نوح ثم رفع و نزل رسولًا بعد ذلك، فجمع اللَّه له بين المنزلتين فلينزل عن حكم عقله إلى شهوته، و يكون حيواناً مطلقاً حتى يَكْشِفَ ما تكشفه كل دابة ما عدا الثقلين، فحينئذ يعلم أنه قد تحقق بحيوانيته. و علامته علامتان الواحدة هذا الكشف، فيرى من يعذب في قبره و من ينعم، و يرى الميت حياً و الصامت متكلماً و القاعد ماشياً. و العلامة الثانية الخرس بحيث إنه لو أراد أن ينطق بما رآه لم يقدر فحينئذ يتحقق بحيوانيته. و كان لنا تلميذ قد حصل له هذا الكشف غير أنه لم يحفظ عليه الخرس فلم يتحقق بحيوانيته. و لما أقامني اللَّه في هذا المقام تحققت بحيوانيتي تحققاً كلياً، فكنت أرى و أريد النطق
[١] ب: فيما