فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٤٧ - ١٥ - فص حكمة نبوية في كلمة عيسوية«١»
أدباً مع المستفهم، و لو لم يفعل ذلك [١] لاتصف بعدم علم الحقائق و حاشاه من ذلك، فقال «إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ» و أنت المتكلم على لساني و أنت لساني.
فانظر إلى هذه التنبئة[٢] الروحية الإلهية ما ألطفها و أدقها «٢٣»، «أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ» فجاء بالاسم «اللَّه» لاختلاف العبَّاد في العبادات و اختلاف الشرائع، لم يخص اسماً خاصاً دون اسم، بل جاء بالاسم الجامع للكل. ثم قال «رَبِّي وَ رَبَّكُمْ»، و معلوم أن نسبته إلى موجود ما بالربوبية ليست عين نسبته إلى موجود آخر، فلذلك فصّل بقوله «رَبِّي وَ رَبَّكُمْ» بالكنايتين كناية المتكلم و كناية المخاطب.
«إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ» فأثبت نفسه مأموراً و ليست سوى عبوديته [٣]، إذ لا يؤمر إلا مَنْ يتصوَّر منه الامتثال و إن لم يفعل «٢٤». و لما كان الأمر ينزل بحكم المراتب، لذلك ينصبغ كل من ظهر في مرتبةٍ ما بما تعطيه حقيقة تلك المرتبة:
فمرتبة المأمور لها حكم يظهر في كل مأمور، و مرتبة الآمر لها حكم يبدو في كل آمر. فيقول الحق «أَقِيمُوا الصَّلاةَ»^ فهو الآمر و المكلّف و المأمور. و يقول العبد «رَبِ اغْفِرْ لِي»^ فهو الآمر و الحق المأمور. فما يطلب الحق من العبد بأمره هو بعينه يطلبه [٤] و لا بد، و إن تأخر كما يتأخر بعض المكلفين ممن أقيم مخاطباً بإقامة الصلاة فلا يصلي في وقت فيؤخر الامتثال و يصلي في وقت آخر إن كان متمكناً من ذلك. فلا بد من الاجابة و لو بالقصد. ثم قال «وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ» و لم يقل على نفسي معهم كما قال ربي و ربكم. «شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ» لأن الأنبياء
[١]« ا» و« ب»: كذلك
[٢] هذه هي قراءة القيصري و قد أخذت بها( شرح القيصري ص ٢٦٨). أما المخطوطات الثلاثة فتقرؤها: التثنية و هي قراءة يخطئها هذا الشارح
[٣] ا: عبودية
[٤] يطلب: في المخطوطات الثلاثة