فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٤ - ٤ - أسلوبه في الفصوص و غيره
و إن ما شعر به أيوب لم يكن ألم المرض الذي ابتلاه اللَّه به، بل ألم عذاب الحجاب و الجهل بالحقائق، أو يقول في الفص الموسوي إن المراد بقول فرعون «لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ» لأجعلنك من المستورين لأن السين من أحرف الزوائد، فإذا حذفت من سجن بقيت «جن» و معناها الوقاية و الستر، و في قوله (في الفص نفسه) «إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ» معناه مستور عنه علم ما سألته عنه. و كقوله في تفسير الآية «قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ، اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ» إن في الإمكان أن نجعل «رسل اللَّه» مبتدأ خبره اللَّه (الثانية) فيكون معنى الآية: و قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي (أي الرسول): رسل اللَّه هم اللَّهَ، هو أعلم حيث يجعل رسالته! و عماده في كل ذلك أنه يتكلم بلسان الباطن، الذي هو في الحقيقة لسان مذهبه، و يترك الظاهر الذي يعبر عن عقيدة العوام. فهو يقابل دائماً بين هذين اللسانين كما يقابل بين العقل و الذوق: العقل الذي هو لسان الظاهر، و الذوق الذي هو لسان الباطن.
ثم إنه يتمشى مع القرآن في تسلسل آياته في القَصَص، متبعاً طريقة التأويل التي أشرنا إليها: يخرج من القصة ثم يعود إليها ثم يخرج منها ثم يعود إليها، شارحاً، معلقاً، متفلسفاً، شاطحاً أحياناً، مستطرداً في أغلب الأحيان. و كثيراً ما يكون استطراده لمناسبات لفظية بحتة، كما تكلم في الفص المحمدي عن الطيب الوارد في الحديث «حُبِّب إلي من دنياكم ثلاث النساء و الطيب إلخ» فجره ذلك إلى الإفاضة، في ذكر الطّيِّب (ضد الخبيث) من الأفعال و الأشياء: أي الحسن و القبيح منها، ثم عرض لمشكلة الخير و الشر و حقيقة الشر و منزلته من الوجود العام. و كما جره