رسالة في حجية الظن - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٤٢ - المقام الرابع في الظن بعد الانسداد
الدليل الموصل إلى الحكم النفسي الأمري ولم يقبح منه التكليف بالظن إذا قضت به المصلحة، ومن هنا يعلم بطلان مقالة من ذهب إلى أنه ليس التكليف إلا بالعلم مستدلا بأن الحكم المستفاد من الكتاب والسنة معلوم بواسطة مقدمة خارجية وهي قبح خطاب الحكيم بما له ظاهر وهو يريد خلافه من غير دلالة تصرف عن ذلك.
لأنه:
أولا: لا نسلم أن الغائبين مخاطبون بتلك الخطابات نعم هم مشتركون معهم في التكليف ومن الظاهر أن مجرد العلم بتوجه الخطابات[١] إلى الحاضرين مع عدم ظهور ما ينافي ظواهرها لا يقتضي الحكم بأن ظواهرها مراده من الحاضرين لاحتمال قيام الأدلة على إرادة خلاف ظواهرها حين الخطاب بالنسبة إليهم وقبح الخطاب بما هو ظاهر مع إرادة خلافه من غير دلالة إنما هو بالنسبة إلى من يختص به الخطاب لا غيره مطلقا ولو كان ممن يشترك مع المختص بالخطاب في الحكم.
ثم لو سلمنا أن الخطابات تعم الغائبين فهم لا يزيدون على الحاضرين من احتمال حصول الغفلة لهم عن القرينة أو نسيانهم لها أو عدم فهمهم إياها إلى غير ذلك وليس على المخاطب الحكيم[٢] رفع هذه الموانع، وإنما عليه نصب القرينة في مقام يصح نصبها عادة وإيضاحها على حسب قابلية المخاطب ونحو ذلك أما الاحتمالات العقلية التي لم تجر العادة بالاعتناء بها، كالغفلة والسهو على خلاف العادة ونحوها فلا يجب على الحكيم الاعتناء بها.
وما حال النبي (ص) والأئمة (ع) في مخاطباتهم مع الناس إلا كخطاب الناس بعضهم مع بعض ولو كانت بطريق آخر لأشتهرت. وقد قال الله تعالى" وما أرسلنا"[٣] الآية.
[١] القمي: القوانين/ ٣١٠، البهبهاني: المقالات ١/ ١٦٧