رسالة في حجية الظن - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٤٣ - المقام الرابع في الظن بعد الانسداد
والحاصل أن الذي على الحكيم إنما هو ذكر الخطاب على وجه، يمكن الاستفادة منه، وقد أتى به، والتقصير لا يحتمل في حقه، وإنما يحتمل في فهم المخاطبين، ونقله الخطابات، ورواتها والمفسرين لها إلى غير ذلك.
ولا يجب على الحكيم أن يعصمهم عن الخطأ، ولا يمكن أن يدعى ذلك مع أن المشاهد خلافه لكثرة وقوع الخطأ منهم، ويشهد لما ذكرنا عادة العقلاء فإنهم يخاطبون الغائبين بالمراسلة ونحوها، ولا يلتزمون عصمة الرواة والنقلة ونصب الدلائل على قصدهم.
فإن قلت: عدم التزامهم لعجزهم عن عصمتهم وإلا لنافى غرضهم من إرادة المخاطب والحكيم قادر على ذلك.
قلت: لأنهم عاجزون مطلقا بل في أكثر المقامات تتحقق لهم القدرة على صدق الرواة ومع ذلك يكتفون بمجاري العادات التي لا تفيد إلا الظن.
ولو سلمنا لك فهو قياس الغائب على الشاهد وقد قدمنا لك أن تكليف الخالق غير تكليف المخلوقين وأن تكليف المخلوقين لغرض لهم خاص يتعلق بخصوص المكلف به خلاف الخالق فإن الغرض منها العبودية، وهي تتحقق بالأمرين، وفوات المصلحة النفس الآمرية بسوء اختيار المكلف فلا يلزم قبح على الحكيم. مع أن دعوى أن الدليل العقلي يصير علة لأن يفيد العلم ما لا يفيده عادة بل نجد من أنفسنا أنه لا يحصل لنا منه إلا الظن بشيء مما يشهد بخلافه الوجدان، وبطلانه غنى عن البيان، وحيث تبين إمكان التعبد بالظن من الشارع ووقوعه بطل قول من يقول:[١]" أن باب العلم مفتوح ابتداء، واستدامة، وأنه لا تكليف إلا بالعلم".
كما أن القول:" بأن باب العلم كان في الصدر الأول مفتوحاً وليس التكليف إلا به وإن انسد بعد ذلك" لا وجه له.
[١] الأنصاري: فرائد الأصول/ ١٥٩، الخراساني: كفاية الأصول ٢/ ١٥٧.