العباس بن علي عليه السلام - البغدادي، محمد - الصفحة ٨٩ - أبو الفضل والأمان
لعلّ غيرهم يتردد في هذا الموقف، أو يتوقف عن هذا الاختيار بدعوى: عدم انتفاع الإمام الحسين عليه السلام من استشهاد هذه الثلّة معه، ولو أبقى المرء على نفسه، وأخذ بالأمان وانسحب من ساحة المعركة فإنه قد ينفع الإمام منافع، له ولقضيته أجدى من الموت معه، إذ ينقل قضية الإمام بواقعها، وتسلسل الأحداث، وأوامر الإمام وتوجيهاته للأمة لاستثمار قضيته وشهادته، ثم يعمل من بعد على نشر الدين والفضيلة، ويحفظ عائلة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في ظرف الشدّة، ونحو هذي من الأفكار التي تتسارع خطوراً على الذهن البشري في مثل هذه المنعطفات والمنزلقات.
على أن المرء قد يجد وجهةً في الأخذ بمثل هذه الأفكار ونحوها، وليس لديه وقت طويل للتأمل، ولاسيما إذا لم يلاحظ ويتأمل في نتيجة فعله وما ستترتب عليه من آثار.
وإذا تأمل في الآثار والنتائج، فإن هذه مشكلة أخرى، إذ كيف يقطع المرء بأن نتيجة هذا الاختيار هكذا، ونتيجة ذلك الخيار كذا، ولعلّ في ترك التعرّض للقتال العاقبة الفضلى على المدى الطويل، وسيسعى هو ومن يستطيع فيهم تأثيراً إلى تغيير مجرى الأحداث إلى حيث النصر وتحقيق النتائج المرجوّة.
الشيطان لا يترك المرء دون أن يثير فيه هذه النوازع.
على أن كثيراً من هذه الخواطر قد يتقبلها الإنسان على أنها أحكام العقل وأن إصراره على الاستشهاد مع الإمام نحو عاطفة، عليه أن يغلب جانب العقل عليها.
لكنّ الصحيح: إن ما اختاره أبو الفضل وأخوته هو حكم العقل السليم في تلك الساعة التي يقع فيها كثير من الناس في غائلة التشويش الشيطاني خصوصاً مع