العباس بن علي عليه السلام - البغدادي، محمد - الصفحة ٦٦ - أخلاقيات كربلاء
ومن المعلوم أن من يخير تخييراً كهذا ويختار البقاء والتضحية فموقفه هذا غاية النبل والسمو ونكران الذات في جنب الله ورسوله والإمام المعصوم، ومن يكن هذا شأنه فلا حدّ لرضا الله ورسوله والإمام عنه كما لا حدّ لجود الله سبحانه معه.
إن إسقاط الإمام عليه السلام لتكليف لزوم البقاء واللبث الثابت في ذمة أهل بيته وصحبه لغرض نصره والدفع عنه بما أنه إمام معصوم وخليفة الله ورسوله في الأرض، وسماحه لهم بالرجوع وارتضاؤه لمواجهة القوم الظالمين وحيداً منفرداً مع تصميمه اللانهائي على الامتناع عن مبايعة يزيد وتصميمهم على قتله لهو في حد نفسه دليل على إمامته وعصمته وخلافته لله ورسوله وعلى عدم النظير له.
وكذلك على أخلاق عظيمة سامية أسسها الإسلام وشيدها النبي وآله، وبهذا الخلق ونحوه قام الإسلام على سوقه ونبتت شجرة الإمامة وأرسلت فروعها في كل صوب وآتت ثمارها طيبة مباركة ولا تزال.
إن أول من أجاب الحسين ببيان ثباته وتصميمه على البقاء معه والاستماتة في سبيله مهما تكن النتائج هو أبو الفضل العباس وعلى إثر موقفه تتابعت مواقف الصمود والفداء فكان له مقام السبق إلى هذه الكرامة، وكان هو المعلّم والموجه لهؤلاء الأطياب الأكارم في اتخاذ الموقف الصحيح في هذا الموقف الذي يهز الجبال الرواسي.
وأما وجه حث الإمام لهم على الرجوع دون بيان تخييرهم فقط:
فيحتمل أنه تقديراً منه عليه السلام لموقفهم البطولي في الثبات معه، وشفقة عليهم من أن تنال سيوف الفراعنة منهم منالها فتمزقهم إرباً، وتقليلاً للخسائر ما أمكن، مع الإبقاء عليهم كي يبقى الرعيل الواعي والرسالي والمستعد للتضحية