رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٥٠ - البيان الأوّل للفلاسفة والجواب عنه

فإنّ هذه العبارة كما تراها وغيرها ممّا عبّر بها في المقام صريحة في نسبة الفعل إلى الإرادة نسبة المعلول إلى العلّة التامّة، فكما يمتنع تخلّف العلّة عن معلولها كذلك يستحيل تخلّف المشيّة عن الفعل.
الثاني: أنّ تحصّل الإرادة في النفس ووجودها فيها فرع وجوبها الذي تقتضيه قاعدة سبق الوجوب على الوجود، فهي أيضاً ضرورية ليست باختيارية كما يدلّ عليه ما حكى السبزواري في شرح منظومته في البحث عن قدرته تعالى عند شرح قوله عن المعلّم الثاني: وباختياره اختيار ما بدا:
قال المعلّم الثاني في الفصوص‌[١]: فإن ظنّ ظانّ أنّه يفعل ما يريد ويختار ما يشاء، استكشف من اختياره هل هو حادث فيه بعد ما لم يكن أو غير حادث، فإن كان غير حادث لزم أن يصحبه منذ أوّل وجوده، وإن كان حادثاً ولكلّ حادث محدث فيكون اختياره عن سبب، فامّا أن يكون هو أو غيره، فإن كان هو نفسه فإمّا أن يكون إيجاده للاختيار بالاختيار فيتسلسل، أو يكون وجود الاختيار فيه لا بالاختيار فيكون مجبولاً على ذلك الاختيار من غيره، وينتهي إلى الاختيار الأزلي‌[٢].
وبعد ما تنبّهت الأمرين يظهر لك ملخّص البيان الأوّل، وهو أنّ ذات الممكن وإن كانت في نفسها لها أن تفعل وأن لا تفعل، إلّاأنّ الإرادة إنّما تحصّلت بعد اتّصافها بالإيجاب في رتبة متقدّمة على الوجود، وبذلك صارت ضرورية، وكذلك الفعل إنّما ترتّب لإيجابها إيّاه وجوباً اضطرارياً، هذا.
والذي يمكن أن يقال في الجواب: إنّ لفظ الإرادة يطلق على معانٍ، فإنّه‌

[١] ص‌٩١ / الفص ٦٠.
[٢]شرح المنظومة (قسم الحكمة / المجلّد الثاني من الجزء الثاني): ٦٢٣.