مقابس الأنوار و نفائس الأسرار - التستري، الشيخ اسد الله - الصفحة ٣٧ - هداية المطلق في الاصل ما دام على خلقته ذاتا و صفة طاهر مطهّر من الحدث و الخبث
حكم النّجاسة بتغيرها هذا مضافا الى اصالة الطهارة و الاستصحاب و يجاب عن الاول اولا بانّ الماء خلق مائعا فهو مقتضى طبيعته و بانه رطب بالطبع اتفاقا و ضرورة و مقتضاه أيضا ذلك سواء فسّر بالكيفية المقتضية لسهولة الالتصاق و الانفصال أم بماء يقتضى سهولة القبول للإشكال و هو و ان كان باردا فبرودته ليست بحيث تقتضى الجمود و الّا لزم التّضاد بين مقتضيات الطبيعة الواحدة و امّا ما كان جامدا في الاصل فليس ماء و إن كان قابلا لصيرورته كذلك بالقوة القريبة و ثانيا انّ العبرة كما مرّ بالحقيقة الوضعيّة و هى قد لا تطرد مع الطّبيعة و يصلح ما ذكر في الاستدلال من استثناء بعض الافراد شاهدا على استقلال كلّ جزء من اجزاء الجامد بحكم نفسه كسائر الجمادات و امّا الاستناد الى ما ذكر من الانقسام و الاطلاق فمدفوع بانّهما اعمّ من الحقيقة و المجاز لوجودهما في المضاف مع خروجه من الموضوع له و من الاطلاق و القياس على الدّهن و على حال الميعان ظاهر البطلان على ان الآثار الظاهرة مختلفة في الحالين فاى مانع من اختلاف الآثار الشّرعيّة فيهما أيضا و قد اثبتناه بما سبق و يؤكده اختلاف حكم الدّهن و نحوه فيهما أيضا من جهة سراية النّجاسة و عدمها مع اتحاد الوضع و الطبع معا فكيف لا يختلف الحكم هنا و امّا الاصل فلا عبرة به بعد الدّليل المخصّص و كذا الاستصحاب ان اريد به استصحاب الطّهارة و ان اريد استصحاب اطلاق اسم الماء و حكمه فمع اختصاصه بما كان ماء قبل الجمود و معارضته باستصحاب العدم في غيره لاعتداد به بعد العلم بزواله الا ترى ان المامور بالاتيان بالماء او شرائه لا بعد ممتثلا بالاتيان بالثلج و نحوه او شرائه و ليس كذلك الدّهن و هو ظاهر فعلى المختار للجامد في الطّهارة و التطهير احكام مستقلّة غير ما يأتي في المطلق و المضاف فاذا اصابه نجاسة نجس الجزء الملاقى مطلقا قليلا كان أم كثيرا تغير أم لا و لا يسرى النجاسة الى الباقى كذلك ما دام جامدا فيلقى موضع الملاقاة و ما يكتنفه او يغسل بالكثير كما في الذكرى و الدّروس و التّنقيح و المعالم و غيرها او بالقليل على اشكال يأتي في نظائره و لا يكفى اتصاله بالجامد الكثير و في الاكتفاء عن الإلقاء بان يذوب و يذهب متسافلا من دون ان يمكث او يصل الى غيره وجهان و لو اصاب هذا غيره من الجامد فحكمه كحكمه حال الجمود و لو ذاب غير الملاقى أيضا فإن كان كرا فصاعدا و ذاب دفعة او تدريجا مع وجود الحائل بينه و بين النّجس الى ان بلغ الكر طهر الجميع و ان بلغ ما بلغ الا ما استعلى سطحه على النّجس و أطلق صاحب الدلائل طهارة الجميع في صورة كريّة الباقى و اذابته و ليس بجيّد و لو اتّصل بالجامد مائع منه او من غيره كان لكل حكمه اذا انفرد و لم يتقو بالاخر و اذا نجسا معا فتطهير كل منهما بما قرر في طريقه و تطهير المجموع مركّب من الطّريقين و لو جمد بعض الجارى و استوعب جموده عموده انقطع ما قبله عما بعده و كان لكل منهما حكمه اذا انفرد و اذا جمد النّجس توقف طهارته على اذابته و تطهيره بما يطهر به المائع وفاقا لصاحبى المعالم و الذّخيره لما ذكراه من امتناع مداخلة المطهّر لأجزائه و فيها ما هو باق على جموده و طهارته موقوفة على ذلك و لأنه لا يعلم المداخلة حينئذ و هو شرط الحكم بالطّهارة و في الدّروس و لو قدر تخلّله امكن الطّهارة و هو يتمّ لو كان قد سرى النّجاسة في خلاله بعد جموده اما فيما نحن فيه فلا لعدم الدّليل عليه مع كونه على خلاف الاصل و ربّما يلزم على قول العلامة طهارته باتصاله بالكثير الجامد فضلا عن المائع اذا لم يكن بمتغير و لو تغير بالنجاسة ظاهر الكثير الجامد نجس الظاهر على القولين و إن كان بحيث لو ذاب الكل غلب على النجاسة و لم يظهر لها اثر فان ذاب و كان الباقى قدر الكرّ و زال التغيير طهر الجميع في بعض الصّور كما مرّ و يأتى على ما احتمله العلّامة من تقوية المائع بالجامد طهارته مطلقا اذا اتّصل كرّ غير متغير اصلا و يكفى حينئذ ان يذوب منه ما يزيل التغير و اذا القى النجاسة و ما اكتنفها فالباقى على طهارته مطلقا عندنا و كذا عند العلامة اذا كان كرّا و يشكل اذا كان دونه و لما نفى في المنتهى السراية في القليل لزم طهارة الباقى هنا أيضا و لو استعمل في رفع الحدث الاكبر بامراره
الى ان حصل الغسل لم يجر على الباقى حكم المستعمل و يتبيّن وجه ما اشكل من هذه المسائل من المباحث الآتية و انّما اوردناها هنا كيلا يتشتت المسائل الملائمة و امّا التّطهير به من الخبث و هو الّذي وقع الكلام فيه اولا فقد ظهر ممّا ذكرنا انه لا يمكن عندنا و يتأتى على قول العلّامة اذا داب منه عند الدّلك او الوضع ما يتحقق به الغسل مع كونه كثير العدم تنجسه من المغسول و كون الذائب ماء ملاقيا له حال التطهير و لو قلنا حينئذ بتقويه بالجامد طهر به ما يطهر بالكثير و لم يشترط بقاء الكثرة في الجامد بل في المجموع المتّصل الغير المتغير و هو ظاهر و بقى للتطهير به فروع اخر ربّما تذكر في محلّ اخر إن شاء اللّه
هداية المطلق في الاصل ما دام على خلقته ذاتا و صفة طاهر مطهّر من الحدث و الخبث
و هو في الجملة كنوعى الطهارة المتحققين به قطعا من ضروريّات ديننا و ثابت في ساير الاديان أيضا و قد دلت عليه ايات شتّى و روايات متواترة بالمعنى و يثبت مع عدم عروض الطّوارى الشرعيّة و العرفيّة الآتية لكل من اقسامه على اختلاف محاله و احواله و تكثر أسمائه لما دلّ على ذلك عموما او خصوصا و قد حكى الفاضلان و غيرهما اجماع العلماء عليه كآفة و ربما عرى الى الضرورة الدينيّة فماء البحر طهور مطلقا و إن كان ملحا اجاجا سواء قلنا ان ملوحته جعلت في اصل خلقته و ان خرجت عن طبيعته او انها عرضت بمخالطة اجزاء ارضيّة محترقة مرة بعد خاتمه و هو مجمع عليه و النّصوص مرويّة فيه من طرق الفريقين و فيها الصّحيح و غيره و كذا ما اشبهه ممّا كان اجاجا او زعاقا و قعاعا او حراقا او اجنا او اسنا او اسودا حالكا او ابيض ناصعا او صابغا بالوان شتى او حميما محرقا يرتفع منه دخان محرق أيضا او شعل عضى و نحو مع وجود الاسم في جميع ذلك و هو قد يخ بعروض الصّفات لما خلا منها و اصالتها و كذا ما نزل من السّحاب و إن كان اصله من البحر او من تقاطر البخار او الهواء المتكاثفين المنعقدين سحابا لشدة البرودة و يتناول المطر جميع ذلك و لا فرق بين الضّعيف المسمّى بالطل او الرذاذ و غيره و كذا ما نزل في اللّيل من الضباب على الشجر و النّبات و يسمى بالطل أيضا و ما وقع في الضعيف