مقابس الأنوار و نفائس الأسرار - التستري، الشيخ اسد الله - الصفحة ١١١ - الموضع الثّانى
ان جميع ما ذكر من الادلة ممنوعة امّا الاوّل فلأنّه ان اريد المشابهة بين الامرين و تنزيل احدهما منزلة الاخر في الجملة لا يجدى شيئا او المساواه من كل وجه او في الحكم فهو مصادرة محضة و لو قصد بذلك القطع بمساواة الامرين فغلط محض كيف و الفرق ظاهر بين مع الاطلاق و بدونه و امّا الثانى فلانه مبنى على كون الاختيار قبل البلوغ كما صرّح به كثير من الاصحاب حتى حكى انه لا خلاف فيه بينهم و لا يخلو عن مناقشة فانه قد ذكر في الفقه المنسوب الى الرضا ع ما يقتضى كونه بعده حيث قال و اروى عن العالم ع لا يتم بعد احتلام فاذا احتلم امتحن في الامر الصّغير و الوسط و الكبير فان انس منه رشد ادفع اليه ماله و الا كان على حالته الى ان يونس منه الرشد و لا يبعد كون قوله فاذا احتلم من تتمة الرّواية فلا يبعد الاعتماد عليه و ان لم يعتمد على فتاوى الكتاب و روى العياشى أيضا في تفسيره عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه ع قال سمعته يقول ان نجدة الحرورى كتب الى ابن عبّاس يسئله عن اليتيم متى ينقطع يتمه كتب اليه فانقطاع يتمه حتى يبلغ اشده و هو الاحتلام الا ان لا يونس منه رشد بعد ذلك فيكون سفيها او ضعيفا فيمسك عليه وليه و هذا أيضا يشعر بما ذكر و لم نقف على رواية مخالفة لذلك و لا دليل قاطع على خلافه و ما قالوا من ان تاخير الاختيار يؤدّى الى الحجر على البالغ الرّشيد و هو باطل بالإجماع مدفوع بان الباطل هو الحجر على من علم اجتماع الوصفين فيه و لذلك وجب الحجر على من لم يختبر قبل البلوغ و لم يتمكن من اختياره فان قلت لا يجوز تاخير الدّفع الى ان يحصل العلم بل يجب المبادرة اليه و الى مقدماته يجب الامكان قلنا الامر كذلك بحسب القاعدة الّا انّه لما لم يجب الدّفع الا مع الوصفين و كان الرّشد غير كاف بانفراده و كان المدار على الرشد المتصل بالبلوغ الموجود حاله و كانت علامات البلوغ غير مقدورة و لا منضبطة الاوقات و كذلك علامات الرّشد و كان ايجاب الاختيار في جميع الحالات المحتملة للبلوغ مؤدّيا الى الحرج العظيم فلذلك لا يبعدان يأمر الشارع بالابتلاء بعد البلوغ و هو الزمان الذى لا يتوقف الدّفع فيه الاعلى الرشد خاصّة و يستمر الحجر الى ان يعلم ذلك و سوغ ذلك كما سوغ فيما اذا لم يتحقق الاختبار او لم يتمكن منه قبل البلوغ فاذا دل عليه الخبر المعتضد بالاصل المخالف للمعروف بين العامة لم يبعد العمل بمقتضاه مطلقا و لو كان البلوغ بالسن و يؤيده ان ظاهر الآية كون يناس الرشد بعد البلوغ على انا نمنع امكان الاختبار قبله لأنه يتوقف غالبا على تسليم المال و تمكينه من التصرف بانفراده كما زعمه المستدل و الصّبىّ لا اهليّة له لذلك و ليس محلّا للائتمان لا سيّما في ماله و انّما جاز ذلك في البالغ قبل العلم برشده للضّرورة و للأمر بذلك فيقتصر عليه و لا يتعدى الى صورة انتفاء الامرين معا و امّا الاستدلال على ذلك بالآية حيث علق فيها الابتلاء بالتيمم و جعل نهايته البلوغ و اوجب الدّفع بعده بلا فصل مع الرّشد فيمكن دفع الاول بان اطلاق اليتامى عليهم لما كانوا عليه او لقرب عهدهم بذلك او لبقاء حكم اليتم قبل الرشد و قد أطلق أيضا على البالغين في قوله تعالى وَ آتُوا الْيَتٰامىٰ أَمْوٰالَهُمْ او يقال بان الخطاب تعلق بالاولياء حال ولايتهم و صغر اليتامى و ان تاخر زمان الفعل و يكون فيه اشارة الى انه يجب المبادرة الى الاختبار بعد البلوغ من غير تاخير كما اشير اليه في الخبر الرّضوى و دلالة على لزوم الاستعداد للاختبار و الدفع كيلا يطمعوا في اموالهم قبل ذلك كما يشير اليه قوله بعد ذلك وَ لٰا تَأْكُلُوهٰا إِسْرٰافاً وَ بِدٰاراً أَنْ يَكْبَرُوا و يمكن دفع الثانى بانه مبنى على خروج اذا عن الظرفيه و جرّها بحتى محلّا كما حكى عن الاخفش و ابن مالك و غيرهما في مثل هذه الآية و هذا الوجه و ان كان انسب بنظم الآية الا ان الجمهور انكروا ذلك كما حكى عنهم و جعلوا حتى للابتداء و اذا للظرفية و يضعف الاول من جهة المعنى بانه يقتضى وجوب استمرار ابتلاء اليتامى الى زمان تحقق البلوغ و هو ظاهر الفساد و على قول الجمهور يحتمل ان يكون حاصل المعنى و ابتلوا اليتامى الى وقت بلوغهم فاستحقاقهم دفع اموالهم اليهم بشرط ايناس الرّشد منهم في جميع ازمنة امكانه و هذا هو
الّذي ذكره الزّمخشرى و البيضاوى و على هذا يدل أيضا على تقدم الاختبار على البلوغ و هو متجه لو لم نذكر الفاء في الشرط الثانى فيكون مقدما في المعنى على الاول او محتمل الامرين على خلاف في ذلك و امّا اذا ذكرت الفاء كما في الآية فلا بدّ من تاخر الشرط الثانى في المعنى كما لو قال ان دخلت الدّار فان كلمت زيدا فانت حرّ فانّه يعتبر وقوع المكالمة بعد الدّخول و لا اثر لها لو تقدمت عليه و وجهه ظاهر و على هذا فالمعنى و ابتلوا اليتامى حتى ان آنستم منهم رشدا بعد البلوغ فادفعوا اليهم اموالهم فيكون غاية الاختبار هو زمان ايناس الرشد الحاصل بعد البلوغ الموجب للدّفع فالدفع حينئذ يكون بعد ايناس الرّشد الحاصل بالابتلاء بلا فصل كما هو ظاهر الاية و لذلك لم يقل فان كنتم آنستم منهم رشدا فانه الانسب على تقدير ارادة المضى و العلم و ان كان امر استمر الا ان الظاهر ما ذكر و لا يبعد كون حتى حينئذ للسّببيّة و المعنى ابتلوا اليتامى كى تدفعوا اليهم اموالهم اذا آنستم منهم رشدا بعد البلوغ و الاختبار فانّ الدفع واجب عليكم عند اجتماع الوصفين و على الوجهين فالاية دالة على تاخر الاختبار و لو لم تدل عليه كانت محتملة للوجوه المذكورة فلا تحمل على احدها بلا قرينة و هذا كله بناء على كون الابتلاء بمعنى اختبار احوالهم و استعلامها كما ذكروه او بمعنى تمرينهم على الامور الى ان تحصل ملكة الرشد و يمكن كون الابتلاء بمعنى الحجر و كناية عن المنع من التصرف الى ان يحمل الابتلاء و الاخبار و يدل على ذلك ما ذكره القمى في تفسيره عن ابى جعفر ع في هذه الاية قال من كان في يده بعض مال اليتامى فلا يجوز له ان يعطيه حتى يبلغ النكاح و يحتمل فاذا احتلم و وجب عليه الحدود و اقامة الفرائض و لا يكون