مقابس الأنوار و نفائس الأسرار - التستري، الشيخ اسد الله - الصفحة ٣١ - في تحقيق معنى الطهور
او لازما كضحول و لو اتفق استعمالها في الثّانى فعلى وجه القلة و الشّذوذ و قد نص الشّيخ و الراوندى على انّه لا خلاف بين اهل النّحو في ان اسم فعول موضوع للمبالغة و تكرر الصّفة و انّه لا يطلق ضروب الّا على من تكرر منه عنه الضّرب و كثر و ذكر نحو ذلك في المسالك الجوادية و حكى أيضا من كتب الشّافعيّة كينابيع الأسفرائيني و غيره و ربّما كان هذا هو السرّ في كثرة استعمال صيغ المبالغة في الحرف عوضا عن الحاق ياء النّسبة حتى كاد ان يكون قياسا في وزن فعّال منها كنجّار و تمّار و غيرهما و ذلك لإفادتها المداومة و المزاولة فتقوم مقام ياء النّسبة كما انّ الباء قد تقوم مقام صيغة المبالغة في احمرىّ و دلوى و دوارى على ما صرّح به نجم الائمّة و على هذا لا يقال ضروب و ظلوم لمن صدر منه ضرب او ظلم شديد مرّة واحدة و قد يعتبر مع الكثرة المداومة أيضا فلا يقال اكول لمن اكل كثيرا مرّة واحدة و لعل هذا باعتبار نفس الصّيغة المستعملة في الدّوام و الثبوت لكاتب لا باعتبار المبالغة و الظاهر انه الغالب في صيغ المبالغة أيضا و لذلك قامت مقام (مقامه) ياء النسبة و غلب فيها اللّزوم حتى ان الكوفيين منعوا من اعمالها مطلقا فاذا كان الطّهور للمبالغة افاد كثرة الطّهارة و هى لا تقبل الزّيادة بمعناها اللّغوى و لو فرض تحققها فيه فلا ريب في امتناعها بالنّسبة الى معناها الشّرعى الاصلى الموجود في الماء و التّراب و نحوهما مع انّ هذا هو محلّ الخلاف المعروف و انّما تقبل ذلك اذا اريد بها الطّهارات الثّلاث و ازالة الخبث او آثارهما المتكرّرة بتكررها او الخلوّ من الحيض و النّفاس فاذا اريد بالطّهور المبالغة في شيء من ذلك فمع خروجه حينئذ من اللزوم الى التّعدّى المعنوى في بعضها يلزم انّه لا يوصف به الماء بل الانسان و ماء طهر مكرّر و لم يسمع ذلك اصلا و لا نقله احد منهم و هو من اقوى الشواهد على عدم استعماله في المبالغة و لا يجدى في تصحيح وصف الماء به ان يفسّر بما يتكرر به الطّهارة او فيه التطهر كما حكى عن مالك لاختياره جواز التّطهير بالمستعمل و ذلك لأنّ مقتضى الصّيغه تكرر ثبوت الطّهارة فيه او صدورها منه و لا يتحقق شيء منهما بما ذكر الّا ان يحمل الطّهور على المطهّر مع قصد المبالغة كما في حساس و يكتفى بالقابلية للتكرّر و ان لم يحصل بالفعل و هو خلاف مقتضى وضع الصّيغة و مع ذلك لا ريب في شذوذ هذا القول و ضعفه و شهادة النقل و الاستعمال بخلافه و ربّما يظهر من الشّهيد في الذكرى في حكم المستعمل الميل اليه و هو غريب من مثله و لعلّ الدّاعى لمالك الى ذلك قصد تطبيق المغنى على مذهبه كما انّه أيضا مقصود الحنفيّ و من تبعه بالنّسبة الى مذهبه فان الاوّل ذهب الى انّ كلّ ماء طهور طهور فاراد ان لا يكون الطهور قسما خاصّا من الماء الظّاهر كما هو مذهب الشافعى و يلوح من الآية اذا كان الطهور فيها بمعنى المطهّر فلذلك حمله على ما يتكرر به او منه الطهارة كما ذكروا ما الحنفى فذهب الى جواز التطهير بكل مائع طاهر فقصد بحمل الطّهور على الطاهر ان ينفى وجود مطهر مخصوص و يثبت ان المعتبر في التطهير انّما هو طهارة المطهّر و ازالته لأثر النّجاسة في الطّاهر و قد صرّح الزمخشرى في الكشّاف بانه لا يزول عن الماء اسم الطهور عند ابى حنيفه الّا بمخالطة النجاسة و الاستعمال و عند مالك بالأوّل خاصّة مع التغيير و المعروف عند ابى حنيفه ان الاستعمال موجب لنجاسة الماء فاذا لا يخرج عندهما عن الطّهوريّة الا بزوال الطهارة فالكلّ متّفقون على تسمية كل ماء مطهّر شرعا بالطّهور كما هو المستفاد من الاخبار و انما الكلام في ان المعنى الماخوذ في الطّهور هو المطهريّة التى هى صفة زايدة على الطّهارة او نفس الطّهارة و على هذا لا يتصور على رأى الحنفى قصد المبالغة المتقدمة عن الزمخشرى في الاساس و لا يستقيم أيضا ما قد يقال من انه يمكن تحقق المبالغة و الزّيادة في الطّهارة باعتبار عدم زوالها في بعض المياه بادنى سبب كماء السّماء او بالاضافة الى نقص الطّهارة ببعضها لا المشمس و الآجن و وجه فساد الجميع ظاهر ممّا بين و يرد على اول التوجيهين الاخيرين أيضا انّه لا يجرى في ماء السّماء بعد الانقطاع الذى هو الغالب في ازمنة الانتفاع و فيه يظهر فائدة الوصف المذكور في مقام الامتنان و على ثانيهما انّ الطّهارة الحاصلة بالماء المشمّس و
نحوه كاملة و ان كره نفس استعماله مع ان نقصها يقتضى نقص طهوريته لا طهارته كما هو ظاهر و على ما ذكرنا يتجه ان يقال انّه لو فرض وضع الطّهور للمبالغة فهو متروك في الاستعمال فيمكن ان يجعل هو المنشأ في الاصل لوضعه للطّاهر المطهر او المطهر كما هو المتعارف في رد المعانى النّادرة الى المعانى الغالبة في الصّيغة و يؤيّده غلبة استعماله في الطّاهر المطهر حتى فسّره به جماعة منهم كما سبق فان افادة الامرين معا انّما تتّجه على ذلك او يجعل هو المنشأ في استعماله شرعا او عرفا في ذلك و ان صار حقيقة فيه بحيث لا يفهم منه غيره و على هذا يكون مقصود الشّيخ و الراوندى و غيرهما من نسبته الى لغة العرب انّه لغة المتشرعة منهم بعد ان اخذوا معنى المبدأ من الشرع فدلالة الهيئة حينئذ بحسب عرفهم او انّهم اخذوا الامرين معا لكون حكم الطّهارة و التّطهير مستندا اليه و استعمال الطهور للمعنى المزبور شايعا فيه و على هذين الوجهين يستقيم استناد الرّاوندى الى قول العرب ماء طهور و تراب طهور دون خل طهور و اذا نسب ذلك الى وضع اهل اللّغة فهو باعتبار ان التنظيف بالماء شايع بين جميع النّاس و اختلاف المياه ظاهر بيّن فكانوا يستعملون الطّهور في الماء المنظّف او النظيف المنظف و لما نقل الطّهارة الى معناها الشّرعى الّذي يتحقق بكلّ من الماء و التّراب صار معنى الطّهور هو الظاهر المطهر منهما شرعا او المطهّر لان تغيير وضع المبدأ لا يستلزم تغيير وضع الهيئة بل يصحّ ابقاء وضعها على ما كان عليه في اللغة كما في سائر الألفاظ الشّرعيّة و الوجه في اخذ المعنى المذكور في اللغة او غيرها من معنى المبالغة هو ان التطهير لمّا كان امرا زائدا على نفس الطّهارة و كان مرجعه في الحقيقة الى اكتساب المتنجس و ما في حكمه طهارة اخرى بسبب طهارة المطهّر فكأنّ في الماء الطهور كثيرا او غيره طهارتين و ربّما زادتا فيه حيث كان