رسالة في العدالة - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٥٢ - في بيان معنى الإصرار
لم يقولوا بتحقّق الإصرار الموجب للفسق بصدور الصغيرة مع عدم تكفيره بالاستغفار، و لا مكفّر آخر إلّا شاذّ منهم، فإنّه قد يقال: بناء على وجوب التوبة مطلقا على الفور أنّ المعصية مع ترك التوبة بل تأخيرها أيضا لا تنفكّ عن الإصرار، بناء على تفسيره بمداومة جنس المعصية و لزومه، لأنّ ترك التوبة أو تأخيرها إخلال بواجب آخر فوري، فيكون معصية أخرى بعد المعصية الاولى.
و لكن يزيّفه أنّ أوامر التوبة كأوامر الإطاعة إرشاديّة يقصد بها علاج مفسدة المعصية الواقعة و التخلّص من العقوبة المعدّة لها، فلا يترتّب على مخالفتها سوى بقاء تلك المفسدة، كما لا يترتّب على موافقتها سوى زوال تلك المفسدة، لا لأجل أنّهما من آثار المخالفة و الموافقة، بل لأجل أنّهما من خواصّ نفس المأمور به تركا و فعلا المترتّبة عليهما و لو مع عدم ورود هذه الأوامر، كما في أمر الطبيب للمريض بشرب الدواء استعلاجا لمرضه، فلا يترتّب على ترك التوبة حينئذ عقاب آخر زائد على العقاب المترتّب على المعصية السابقة، فلا يندرج في المعاصي المنقسمة إلى الكبيرة و الصغيرة ليتحقّق بصدوره الإصرار على الصغيرة الموجب للفسق.
و قد يدفع هذا القول أيضا بمنع وجوب التوبة عن المعاصي مطلقا، بل هو مختصّ بالكبائر، و أمّا الصغائر فهي مكفّرة عنه باجتناب الكبائر و بالأعمال الصالحة فلا حاجة لتكفيرها- و هو ستر الإثم و تغطيته- حتى تصير بمنزلة ما لم يعمل، و الظاهر بناؤه في دعوى التكفير باجتناب الكبائر و بالأعمال الصالحة على قوله تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ [١] و إِنَّ الْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئٰاتِ [٢] و ما بمعناهما من الآيات و الروايات.
و من مشايخنا [٣] من تنظّر فيه بما ملخّصه: أنّ أدلّة وجوب التوبة عامّة للكبائر و الصغائر كما سنذكرها، فتكون التوبة عن الصغيرة أيضا واجبة على الفور،
[١] النساء: ٣١
[٢] هود: ١١٤.
[٣] رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): ٥٢ و ٥٣ نقلا بالمضمون.