رسالة في العدالة - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ١٥٤ - و أمّا المرحلة الثانية فحكم التوبة
قيل: سوّى سبحانه بين من سوّف التوبة إلى حضور الموت من الفسقة و الكفّار، و بين من مات على الكفر في نفي التوبة للمبالغة في عدم الاعتداد بها في تلك الحالة، و كأنّه قال: توبة هؤلاء و عدم توبة هؤلاء سواء.
و يمكن الجمع بحمل الأخبار على من يتوب عن ظهر القلب و عقد التوبة في قلبه، و الآية مع ما يفسّرها أو يوافقها من الأخبار على من يتلفّظ بالتوبة من دون أن يعقدها في قلبه كما يشعر به قوله قٰالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [١] أو بحمل الأخبار على من أذنب ذنبا من دون إصرار و أخّر توبته إلى حضور الموت أو ظهور علاماته، و الآية على من أقام على ارتكاب السيّئات و داومها تمام أمد الحياة إلى أن يئس منها بظهور علامات الموت، و لذا أتى بالجمع المحلّى و غيّاه بغاية حضور الموت لبلوغ الأظلام المتواردة على القلب حينئذ حدّ الرين و الطبع الغير القابل للمحو، أو بحمل الآية على التوبة بمعنى الندامة الحاصلة بعد الموت الذي هو حالة معاينة أمر الآخرة على معنى مشاهدة عذاب الآخرة، فأريد من حضور الموت حلوله بتمامه المتحقّق بمفارقة الروح الجسد، و يشهد له ظاهر العطف في قوله تعالى وَ لَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفّٰارٌ [٢] المقتضي مع ملاحظة وحدة السياق لوحدة المنفي في المعطوف و المعطوف عليه، فيكون محصّل مفاد الآية نفي فائدة الندامة الحاصلة بعد الموت بسبب مشاهدة عذاب الآخرة و عقوباتها، فإنّ الندامة على السيّئات و الكفر إنّما تفيد إذا حصلت في دار الدنيا و لو في آخر النفس الذي هو بلوغها إلى الحلق و هو حالة الغرغرة، و لذا قيل: إنّ من لطف اللّه تعالى على العباد أن أمر قابض الأرواح بالابتداء في نزعها من أصابع الرّجلين ثمَّ يصعد شيئا فشيئا إلى أن يصل إلى الصدر ثمَّ ينتهي إلى الحلق ليتمكّن في هذه المهلة من الإقبال بالقلب على اللّه تعالى و الوصيّة و التوبة و الاستحلال و ذكر اللّه فيخرج روحه و ذكر اللّه على لسانه، فيرجى بذلك حسن خاتمته. و ظنّي أنّ هذا الوجه الأخير أرجح نظرا إلى ظهور العطف و السياق، و عدم أدائه إلى التفكيك بين
[١] النساء: ١٨.
[٢] النساء: ١٨.