رسالة في العدالة - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ١٥١ - و أمّا المرحلة الثانية فحكم التوبة
و التزم هو بانسائها كما عرفت حديثه مع تمام الآية، أو لئلّا يؤول التسويف إلى تراكم الرين البالغ حدّ الطبع، فلا يقبل المحو نظير الوسخ يغوص لطول تراكمه في تجاويف الثوب، فلا يقبل عند ذلك الزوال، فمثل هذا القلب لا يرجع و لا يتوب و إن قال بلسانه: تبت. و لعل ما ورد في الخبر من «أنّ أكثر صياح أهل النار من التسويف» [١] منزل على هذا المعنى.
و لنعم ما قال بعض أهل المعرفة: من أنّ ترك المبادرة إلى التوبة بالتسويف كان بين خطرين عظيمين: أحدهما: أن يتراكم الظلمة على قلبه من المعاصي حتى يصير رينا و طبعا فلا يقبل المحو. و الثاني: أن يعالجه المرض أو الموت فلا يجد مهلة بالاشتغال بالمحو [٢].
و يدلّ على وجوب المبادرة إليها من الكتاب قوله سبحانه وَ سٰارِعُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [٣] بتقريب أنّ التوبة داخلة في إطلاق سبب المغفرة، و أنّها المراد منه بالخصوص بناء على كون الأمر للوجوب الإرشاديّ كما هو الأظهر. و قوله تعالى أيضا إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّٰهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهٰالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [٤] و لا أقل من أن يبادر إليها لئلّا يدخل في الذين قال عزّ ذكره فيهم:
وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئٰاتِ حَتّٰى إِذٰا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قٰالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَ لَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفّٰارٌ [٥] و عن الفقيه عن الصادق (عليه السلام): أنّه سئل عن هذه الآية، فقال: ذلك إذا عاين أمر الآخرة [٦].
و الظاهر أنّ المراد بالفورية هاهنا ثاني زمان المعصية، و هو ما بعد الفراغ منها، خصوصا على وجوبها العقلي الناشئ من ملاحظة خوف ضرر المعصية، و ليست معتبرة على وجه التقييد فتسقط بفوات زمان الفور، بل على وجه تعدّد المطلوب
[١] لم نعثر عليه في المصادر الروائية، و نقله في المحجّة البيضاء ٧: ٢٢.
[٢] المحجّة البيضاء في إحياء الأحياء ٧: ٢٢.
[٣] آل عمران: ١٣٣.
[٤] النساء: ١٧.
[٥] النساء: ١٨.
[٦] الفقيه ١: ١٣٣ ح ٣٥٢.