رسالة في العدالة - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ١٠٨ - المقام الثالث في طرق العدالة من الأصل و غيره
بضميمة قاعدة انصراف المطلق إلى الشائع من أفراده، و هو في حسن الظاهر بحكم الغلبة ما يفيد ظنّ العدالة، فيجب الاقتصار عليه في إجراء أحكام العدالة على مورده، إمّا لكونه القدر المتيقن من الحكم المخالف للأصل الذي أثبته الدليل، أو لنهوض شيوع الفرد في متفاهم العرف قرينة على انفهام الماهية من حيث الوجود فيرتفع به القبح اللازم على المتكلّم الحكيم من جهة إرادة خلاف الظاهر ممّا له ظاهر في معرض البيان، لكون قبحه منوطا بعدم البيان و الشيوع يصلح بيانا.
و يؤيّده قوله (عليه السلام): «و ظهر عدله» في خبر سماعة [١] بتقريب أنّ ظهور العدل بواسطة حسن الظاهر الحاصل من الصفات المذكورة في الرواية عبارة عن انكشافه الظنّي لبعد إرادة الانكشاف العلمي لندرة اتّفاقه، فيشعر بل يدلّ على أنّ عليه المدار في إجراء الأحكام المعلّقة على العدالة. و يدلّ عليه أيضا قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن أبي يعفور: «ان تعرفوه بالستر و العفاف» إلخ، مع قوله: «و الدلالة على ذلك كلّه» إلخ، فإنّ المعرفة ظاهرة في الإدراك التصديقي، و لا بدّ له من مستند، و قد جعله (عليه السلام) حسن الظاهر، و حيث إنّ حسن الظاهر، بطبعه لا يصلح سببا للتصديق العلمي، فينهض ذلك قرينة على إرادة التصديق الظنّي من المعرفة، فدلّت الرواية على أنّ المعتبر في العدالة إنّما هو المعرفة الظنيّة، و الطريق المحصّل لها إنّما هو حسن الظاهر.
و ممّا يؤيّد المختار أو يدلّ عليه أيضا الاعتبار العقلي و هو أنّ الحكمة الباعثة على جعل الطريق إلى العدالة- و هي تسهيل الأمر على العباد المحتاجين إلى العدالة، و رفع الكلفة عنهم، مع مراعاة عدم لزوم سدّ باب الشهادات و الحكومات، و تضييع الحقوق و الأموال، و تعطيل أمور الناس في دينهم و دنياهم- تقتضي كون الطريق المجعول أمرا منضبطا يتساوى نسبته إلى الجميع، و لا يكون إلّا الانكشاف الظنّي المستند إلى حسن الظاهر.
[١] الوسائل ٨: ٣٦١ ب ١١ من أبواب صلاة الجماعة ح ٩.