تحقيق الأصول - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٤٠١ - ردّ الاعتراض على الاستدلال بالآية
و أمّا دلالةً فبوجوه:
أوّلًا: إنّ ما يرفعه هذا الحديث هو الحكم التكليفي، و أمّا الحكم الوضعي فلا يرتفع، و لذا قال صاحب (الجواهر) بأن إسلام الكافر لا يرفع الجنابة، بل يجب عليه الغسل من الجنابة، لأنها أمر وضعي، و الحديث لا يعمّ الوضعيّات، و هذا خير شاهد على ما ذكرناه، و لا يخفى أنّ شرطيّة عدم الظلم للتصدّي للإمامة، أو مانعيّة الظلم عن التصدّي لها، من الامور الوضعيّة.
و ثانياً: إنه على فرض شمول حديث الجب للوضعيّات، فلا ريب في عدم شموله للتكوينيّات، و ظاهر الآية المباركة أن عدم نيل الإمامة الظالمَ أمر تكويني، فمدلولها: أنّ الظالم قاصر ذاتاً عن أن تناله الإمامة و الخلافة، فكأنّ اللَّه يقول لسيّدنا إبراهيم (عليه السلام) إن دعائك لا يستجاب، لأنه يتنافى مع سنّة تكوينيّة، كأنْ يدعو الإنسان أنْ تنال يده الشمس ... فالآية المباركة ترجع إلى أمرٍ عقلي، لا علاقة لها بالقضايا الاعتباريّة، فهي- من هذه الجهة- نظير قوله تعالى: «لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ» [١] فعدم نيل لحم اضحيّة المشرك ليس أمراً اعتبارياً، بل هو للقصور الذاتي فيه.
و ثالثاً: إنه- بغض النظر عن كلّ ما ذكر- يستحيل جريان قاعدة الجبّ في هذا المورد، لأن إبراهيم (عليه السلام) كان عالماً بما جاء في قضيّة نوحٍ (عليه السلام) من قوله تعالى له: «وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ» [٢] و بعد ذلك يستحيل أن يطلب من اللَّه تعالى أن يجعل الإمامة في المشرك الذي بقي على شركه، فيكون طلبه لخصوص من أسلم من ذريّته و خرج عن الشرك،
[١] سورة الحج: ٣٧.
[٢] سورة المؤمنون: ٢٧.