القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٨٢ - في استصحاب وجوب الاجتناب
من جهة المطابقة لأصل البراءة و عدمها، ربّما يتوهّم أنّ الاستصحاب قد يصير مؤسّسا لإثبات حكم شرعيّ كما يقال: إنّ استصحاب الطهارة يدلّ على أنّ المذي ليس بناقض، فأثبت الاستصحاب هذا الحكم، أعني عدم الناقضيّة لهذا الموضوع، أعني المذي.
و كذا فيما نحن فيه، يقال: إنّ استصحاب النجاسة و اشتغال الذمّة بالاجتناب هو الذي أوجب السّبع، و هذا غفلة، إذ المقتضي للحكم بعدم الناقضيّة هو أصل البراءة [١] و التخيير بين الأمارتين، فإنّ الأمارتين في المذي قد تعارضتا في أنّه ناقض للوضوء أم لا، و أصالة البراءة و عدم ثبوت التكليف بالطّهارة الجديدة و عدم ترجيح إحدى الأمارتين على الأخرى المقتضي للتخيير، أثبت هذا الحكم.
و المتوهّم قد توهّم أنّ المثبت له هو استصحاب الطّهارة، و هو كما ترى، فإنّه إنّما يثبت بقاء الطّهارة لو لم يثبت رافعه الواقعيّ.
فإذا فرضنا موضع هذا المثال، أنّ الوضوء التّجديديّ إذا ظهر مسبوقيّته بالحدث، فهل يكون رافعا للحدث أم لا، و تعارض الأمارتان فيه، فمقتضى التخيير و الأصل هو كونه رافعا، و إن كان مقتضى استصحاب الحدث هو العدم.
ففيما نحن فيه نقول: إنّ استصحاب النجاسة و إن كان يقتضي عدم الطهارة إلّا بالسّبع، و لكنّ استصحاب براءة الذمّة عن التكليف بالسّبع، و تكافؤ الأمارتين الموجب للتخيير أثبت الاكتفاء بالأقلّ.
[١] أورد عليه في «الإشارات» بأنّ الأصل بنفي التكليف و النّاقضية حكم وضعي، و بأنّ التخيير فرع التّكافؤ و ما دلّ على عدم ناقضيّته مؤيّد بما دلّ على حصر النّواقض عمل الجمهور و الإجماعات المنقولة، كما عن الملا محمد تقي الهروي.