القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٣٨ - الكلام في معنى قبل الشّرع
و إمّا من جهة عموم حكمه بقبح تكليف ما لا يطاق، و يندرج تحته نفي وجوب الوضوء على من فقد الماء، و الصّوم على من لم يقدر عليه، و كذا العمل على مقتضى الحكم النّفس الأمري فيما لا نصّ فيه و لم يدرك حكمه العقل، فيحكم العقل بعدم الوجوب و عدم الحرمة إذا لم يثبت الحكم بنصّ أو عقل قاطع، و هذا هو الأصل المعبّر عنه بالبراءة الأصليّة، بل و كذلك حكمه الظّاهرىّ كما سنبيّنه [١]، و هو ما تنازع فيه الفريقان في الإباحة و الحظر و التوقّف كما سيجيء في أصل البراءة.
و الظاهر أنّ العقل أيضا يحكم برفع التكليف فيه.
و إمّا من جهة عموم حكمه بأنّ ما ثبت فالمظنون بقاؤه إذا كان ما يثبت ثبوته محقّقا من عقل أو حسّ أو شرع، ثمّ يجب العمل عليه استنادا الى أنّ دفع الضّرر
[١] فإنّ ايجاب العمل على ما هو مقتض الحكم النّفس الأمري كما يكون تكليفا بما لا يطاق فيما ليس فيه حكم من العقل و لا نص فيه من الشّرع، كذلك إيجاب العمل على مقتضى الحكم الظاهري هو أيضا تكليف بما لا يطاق، و ذلك لأنّ الحكم الظّاهرى بعد تعارض أدلّة الإباحة و الحظر الواردة في بيان الحكم الظاهري يكون مجهولا كالحكم الواقعي، فلو كلّف بما هو حكم ظاهري بحسب نفس الأمر لا بحسب ظنّنا لكان تكليفا بما لا يطاق، لأن الحكم الظّاهري سواء قلنا إنّه الإباحة أو الحظر يكون مظنونا كما يعلم من كلمات المصنّف في مبحثه لأصل البراءة حيث قال: إنّ الأقوى و الأظهر هو العمل على البراءة الأصليّة و إنّ أدلّة البراءة الأصلية أقوى من أدلّة التّوقف، و أمثال ذلك ممّا ينادي بأنّ الحكم الظاهري ليس مقطوعا به، بل ظنّي و الظّن كثيرا ما يخالف الواقع، و هذا هو مراده بقوله: كما سنبيّنه، و إلّا فليس في كلامه فيما يأتي تصريح بأنّه لو لم يكتف الشارع هنا بهذا الحكم الظّاهري في ظنّنا يلزم التكليف بما لا يطاق.