القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٣١ - في التّحسين و التّقبيح
و فيه أيضا: أنّ حكم المبيح بالإباحة حينئذ ليس من جهة أنّه مجهول الحكم عند العقل، بل لأنّه يحكم بأنّه منفعة مأذون فيها، و حكم الحاظر بالحظر أيضا ليس من جهة أنّه مجهول الحكم، بل لأنّه يزعم أنّه تصرّف في مال الغير و هو حرام، فكيف يجعل محلّ النزاع مجهول الحكم، مع كون مقتضى دليل الباحثين علمهم بالحكم؟
فإن قيل: إنّ ذلك مقتضى دليلهم نظرا إلى ظاهر الحال و إغماضا عن الاحتمال فقد يتبدّل الحكم بظهور خلافه، كما لو حكم الشّارع بعد ذلك بالحرمة، فيظهر الخلاف و يعلم أنّ الحكم السّابق إنّما كان حكما لمجهول الحكم.
قلنا: هذا كلام سار في جميع المطالب المعلومة عند النّاظرين، فكثيرا ما يقام البرهان على المطلوب، بل و قد يدّعى بداهته ثمّ يظهر خلافه. و ذلك لا يوجب الحكم بكون ذلك الحكم العقليّ الذي هو مقتضى البرهان، حكم ذلك الشّيء من حيث إنّه مجهول الحكم، بل تكليف النّاظر في كلّ وقت مع التّخلية التامّة هو ما يصل إليه نظره، سواء صادف الواقع أم لا.
نعم، هذا الكلام يجري فيما لا نصّ فيه من الأحكام التي لا مسرح للعقل فيها أصلا، مثل وجوب غسل الجمعة مثلا، فإنّ حكمه قبل ثبوته من الشّرع، من حيث هو مجهول عدم الوجوب، لا مع قطع النظر عنه، و أين هو من الحكم بالإباحة.
فحينئذ يمكن أن يقال: إنّ للأشياء قبل العلم بأحكامها تفصيلا حكم عقليّ من حيث كونها مجهولا بالاستقلال و إن لم يكن العقل مستقلّا بإدراك أحكامها، مع قطع النظر عن الجهالة، و كلّ ذلك صدر من الغفلة التي أشرنا إليها [١].
[١] للفاضل الجواد و تبعه فيها بعض الأفاضل ممّن تأخّر عنه أيضا، و في حاشية الملا