البداية والكفاية - الفقيه، الشيخ محمد تقي - الصفحة ١٠٩ - بحث حول شبهة الجبر
و يشهد لذلك الوجدان فإن الإنسان بعد ما يريد قد يفعل و قد لا يفعل، مضافا إلى أنه لو لم يكن كذلك لكانت أفعاله كلها غير اختيارية و بطلانه واضح، للفرق بين حركة المرتعش و حركة الصحيح، و مضافا إلى أنها لو كانت غير اختيارية لكان وجود الشعور و الإدراك و العقل عبثا، إذ لا فائدة في شيء من ذلك، و من التزم بذلك فإقراره في حق نفسه نافذ، مضافا إلى أنه يلزم منه تساوي أفعال النائم و المتنبه و الغافل و الملتفت و السكران و الصاحي و المجنون و العاقل، و لا يقبل بذلك عاقل.
الفائدة السابعة: المعروف على ألسنة أهل الفضل أن المراد لا يتخلّف عن الإرادة إذا كان المراد مقدورا، و يكاد يكون ذلك من المسلمات عندهم.
و التحقيق أنه شيء بعيد عن الصواب، و ذلك لما عرفت من توسط العزم و الطلب بين الإرادة و المراد.
نعم إذا حصل العزم تحقق الطلب في الفرض و تمت الشروط و ارتفعت الموانع تحقق المطلوب لأن الطلب هو العلة الفاعلية بالنسبة للمطلوب و المعلول لا يتخلّف عن علته بالضرورة.
أ لا ترى أن العطشان الظامئ الملتهب الأحشاء، يريد الماء البارد إرادة تامة و لكنّ إذا كان الماء بعيدا عنه و لو بعدا يسيرا لا يتحقق مراده و لا يرتوي، و لا بد له للحصول على الغاية من السعي إليه بنفسه، أو بتكليف شخص بإحضاره إليه، و السعي و التكليف صنفان من أصناف الطلب، ثم إذا اكتمل الطلب و وضع الماء بين يديه لم تحصل غايته و لم يتحقق مراده إلا إذا وضعه هو في فيه، أو أوجره شخص آخر في فيه، و مع ذلك لا يتحقق مراده إلا بعد ابتلاعه الماء.