البداية والكفاية - الفقيه، الشيخ محمد تقي - الصفحة ١١١ - بحث حول شبهة الجبر
الفائدة الثامنة: لا ريب أن الموجودات مختلفة، فإن بعضها بكون خاضعا تكوينا للمريد و من ذلك خضوع جميع الممكنات للّه سبحانه، و هذا النوع يحصل خارجا بمجرد أن يقول له كن فيكون، على النحو الذي يريده له، و وجوده حينئذ معلول لإرادته الاختيارية و ليس معلولا لنفس الإرادة.
و نظير هذا النوع تحريك الإنسان بعض جوارحه عند ما يداهمها الأذى كانطباق الأجفان عند هبوب الريح و إثارة الغبار، فإنها تتحرك بسرعة ينطوي معها الزمن، فيظن الإنسان أنها حركة لا إرادية و أنها لم تصدر من فاعلها باختياره.
و بعضها قد لا يكون كذلك كشرب الظمآن الماء إذا كان في متناول يديه، فإنه إذا أراده تناوله باختياره ثم شربه.
و بعضها قد لا يكون كذلك، و لكنّه مما يتوصل إليه من يريده بفعل غيره، فإن المقعد المعاق إذا أراد الماء لا يقدر عليه إلا بالاستعانة بغيره، فإن كان عاليا أمره و إن كان مساويا التمسه و إن كان دونه استجداه. و لا أدري كيف خفيت هذه الأنواع على المفكرين و كيف توهموا أن المراد لا يتخلّف عن الإرادة، و كيف غفلوا عن توسط العزم و الطلب بين الإرادة و المراد.
و التحقيق: أن جميع هذه الأمور مترتبة طبعا ترتب المعلول و العلة، و أن بعضها متأخر رتبيا لا زمانيا، كالمعلول و العلة و النار و الإحراق و الكسر و الانكسار، فإن هذه الأمور شيء واحد بملاحظة وجودها الخارجي مع أنها متغايرة في عالم الواقع تمام المغايرة، فإن الكسر بملاحظة صدوره من مقولة الفعل و بملاحظة تأثر المحل به من مقولة الانفعال.