البداية والكفاية - الفقيه، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٢٠ - أقسام الوضع
و يظهر لي بعد مزاولة هذا البحث في فترات الدرس و التدريس إمكان الجمع بين الأقوال و ذلك بأن يقال:
يمكن أن يحمل قول من يقول بأنّ الموضوع له في الحروف و ما ألحق بها خاص، و المستعمل فيه فيها خاص، ناشئ و ناظر إلى موارد الاستعمال لأنّها مما يمتنع فيها الصدق على كثيرين، فلا يمكن أن يكون عاما.
و يمكن أن يحمل قول من يقول بأنّه عام، و المستعمل فيه عام أنّه ناشئ و ناظر إلى استحالة أخذ خصوصيات الاستعمال التي هي متأخرة رتبة عن الموضوع له فيهما.
كل ذلك بعد اتفاق كلا الطرفين على أنّ معنى الحرف معنى ربطيّ، و أنّه لحاظيّ و أنّه قائم في غيره، و لكنهما غفلا عن أنّ المقصود بالربط كليّ الربط بين الابتداء و المبتدأ منه، و أنّ هذا المعنى موجود في جميع الحروف و ما ألحق بها، و أنّ هذا المعنى لا يظهر من لفظ (من)، و لا يتحقق خارجا إلا في مقام استعمالها، و أنّ جميع ما نحن فيه نظير الكلي الطبيعي و مصاديقه في التكوينيات، فمفهوم الإنسان هو الحيوان الناطق، و هو مفهوم عام لا يمتنع فرض صدقه على كثيرين، و لكن تحققه خارجا و تشخصه لا ينفك عن الخصوصيات المميزة للفرد الذي وجد فيه عن سائر الأفراد، و قد غفلوا عن أنّ قولنا زيد إنسان نظير قولنا من للابتداء الربطي، و ان مفهوم الابتداء الربطي نظير مفهوم الإنسان، و ان (من) في قولنا سرت من البصرة، نظير ولادة زيد من بطن أمه، و ان هذه
الخصوصيات المفرّدة في (من) و في (زيد) لا توجب دخول خصوصياتها في مفهوم الإنسان، و لا في مفهوم الابتداء.