البداية والكفاية - الفقيه، الشيخ محمد تقي - الصفحة ١٦٤ - الموضع الثالث في أدلة الأقوال
أولها: أن عمدة أدلة القول بالوجوب هو حكم العقل بالملازمة بين وجوب المقدمة و وجوب ذيها و متابعة الشرع له، و هو إنما يحكم بها من جهة توقف وجود الواجب عليها بذاتها مجردة عن كل شيء لأن عدمها علة في عدمه، بحيث لو لا إيجادها لما قدر على إيجاد ذيها، و لا ريب أن هذا المعنى أمر واقعي، و لا ريب أن قصد التوصل به لا دخل له في وجود ذيها، و لا ريب أيضا أن قصده لا يغير الواقع عن واقعه و كل ذلك ضروري.
ثانيها: دليل الدوران و الترديد و ذلك بأن يقال أن المكلف إذا أتى بالمقدمات بدون قصد التوصل بها أو بدون الإتيان بذيها بعدها، فإما أن يبقى مخاطبا بالإتيان بها شرعا أم لا، و لا سبيل إلى الأول بالضرورة لاستحالة التكليف بتحصيل الحاصل، و حينئذ يتعين القول بسقوط التكليف بها، و لا ريب أن التكليف إنما يسقط بواحد من ثلاثة أمور و هي: إما سقوطه بالامتثال، و إما سقوطه بسبب زوال الموضوع و إما سقوطه بسبب العصيان و لا نعرف رابعا لها، لأن ما عداها يرجع إليها، فإنّ عدم قابلية المحل مثلا ترجع إلى زوال الموضوع، و لأن وجود المانع يوجب عدم فعلية التكليف و لا يوجب سقوطه، و لأن عدم المقتضي بمعنى عدم إرادة المكلف و هو يرجع إلى العصيان، و إذا دار الأمر بين الأمور الثلاثة تعين القول بسقوطه بالامتثال لفرض عدم العصيان و لفرض بقاء الموضوع بالضرورة.
ثالثها: لا ريب أن الأوامر و النواهي تابعة للمصالح و المفاسد الموجودة في متعلقاتها، و لا ريب أن العناوين و الاعتبارات داخلة في ذلك، و لا ريب أيضا أن الأمر إنما يدعو إلى ما تعلق فيه لا إلى غيره، و المفروض أن الأمر الشرعي تعلق بما يتوقف عليه وجود الواجب و لا ريب في حصول هذا الغرض بمجرد حصولها،