شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٨١ - (اشارة إلى كيفية وقوع الشر في قضاء الله تعالى
الامور التي لا ينفك الانسان عنها فى أكثر أوقاته كالغموم و الهموم و الخوف و الوجل و الحياء و الغضب و الآلام الحاصلة عند الجوع و العطش و الاشتغال بالمكاسب و الحرف و شم الروائح الكريهة و رؤية الثقلاء و مشاهدة المكاره و ايذاء الذباب و البق و القمل و النمل الى سائر الامور التي لا يمكن حصرها لكثرتها و اذا ثبت أن الآلام غالبة و اللذات الحقيقية مغلوبة فلو كان المقصود من الخلق و الايجاد تلك اللذات القليلة مع علم الخالق بحصول الآلام الكثيرة و كان ذلك أكثر فالشر الغالب لاجل خير مغلوب و ظهر أن الذي ذكروه أن الغالب على هذا العالم الخير باطل لا يقال المرض و ان كان كثيرا لكن الصحة أكثر لانا نقول للصحة قد بينا أنها حالة عدمية و هى بقاء الانسان خاليا عن اللذة و الالم و ليس الآن كلامنا فيه و اما أن قبل المقصود من خلق الانسان و سائر الحيوانات تعريضها للآلام فهذا هو الشر المحض و لم يقل بذلك أحد و اما ان قيل المقصود فيه أن لا يكون معروضا للذة و لا للام فيقول ان هذا لا يصلح أن يكون داعيا الى الخلق و الايجاد لان لبقاء على العدم الصرف كذلك بل ذاك أولى لانه كما لا يصل اليه ذلك الخير القليل فكذلك لا يصل اليه الشر الغالب فكان لبقاء على العدم أولى و عند هذا المضيق ترى المحققين من الفلاسفة يقولون ان قول القائل لم خلق اللّه تعالى سؤال طلاب العلة و هو باطل لان اللّه تعالى خالق للعالم لذاته لا لعلة فنقول حينئذ لهم الآن قد اعترفتم بحقيقة مذهبكم و هو أنه تعالى مؤثر بالذات فلا يجوز أن يقال لم حصل الشر فى مخلوقاته لان ما بالذات لا يجوز تعليله بعلة منفصلة و حينئذ يظهر مما ذكرناه أولا أن خوضهم فى هذه المسألة من الفضول الا على التأويلين المتقدمين و أما القائلون بالفاعل المختار فمنهم من أنكر الحسن و القبح العقليين و قال كل ما يفعله اللّه تعالى فهو منه حسن و صواب فانقطع هذا البحث أيضا عنه و اما المعترفون بذلك وهم المعتزلة فالمقصود عندهم من الخلق التعريض للمنافع و الانصاف انه لا يمكن أن يكون المقصود التعريض للذات الدنيوية فانها بالنسبة الى الالم كالقطرة فى البحر على ما مر تقريره بل الاولى أن يجعل المقصود التعريض للمنافع الاخروية قال المصنف محمد بن عمر الرازى رضى اللّه عنه و أنا بعد ان من اللّه تعالى على بالسلامة فى أكثر الاحوال حتى كانى كنت ممتازا عن الاكثرين فى ذلك اذا رجعت الى نفسى و قابلت اللذات الحقيقية لست أقوال الامور العدمية بالآلام الجلية و الخفية كما