شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٤٢ - (تذنيب في إقامة الحجة على امتناع كون الجسم ما علة لجسم آخر
(تذنيب [في إقامة الحجة على امتناع كون الجسم ما علة لجسم آخر]
قد استبان أنه ليست الاجسام السماوية عللا بعضها لبعض و أنت اذا فكرت مع نفسك علمت أن الاجسام انما تفعل بصورها و الصور القائمة بالاجسام و التي هى كمالية لها انما يصدر عنها أفعالها بتوسط ما فيه قوامها و لا توسط للجسم بين الشيء و بين ما ليس بجسم من هيولى أو صورة حتى يوجدهما أولا فيوجد بهما الجسم فاذن الصور الجسمية لا تكون أسبابا لهيولات لاجسام و لا لصورها بل لعلها تكون معدة لاجسام أخر لصور ما يتجدد عليها أو اعراض)
التفسير لما فرغ عن الحجة المذكورة صرح الآن بالنتيجة المطلوبة و هى أنه لا يجوز أن يكون شيء من الاجسام علة لشيء منها ثم ذكر حجة أخرى على هذا المطلوب و هى أيضا الحجة القديمة المشهورة فيما بين الحكماء و هى أنه لو كان الجسم علة لجسم آخر لكانت علية العلة اما أن تكون بهيولاه أو بصورته أو بهما جميعا و الأول باطل لان الهيولى قابلة و الشيء الواحد لا يكون قابلا و فاعلا معا و لقائل أن يقول ان الشيخ نص فى النمط السابع على ان علم البارى تعالى بغيره صور موجودة فى ذاته و علة تلك الصورة هى ذاته و ذاته بسيطة فيكون البسيط فاعلا و قابلا معا و الثاني أيضا باطل لان للعلة الموجدة للشيء لا بد و أن تكون علة أولا لاجزائه على ما مر بيانه فى النمط الرابع و أجزاء الجسم هى الهيولى و الصورة فلو جعلنا صورة جسم علة لجسم آخر لوجب أن تكون الصورة علة أولا لصورة الجسم المعلول و لهيولاه ثم بواسطة ذلك الجسم لكن يستحيل أن تكون الصورة الجسمية علة للصورة و الهيولى لان الصورة انما تفعل بمشاركة الوضع و يستحيل أن يكون للصورة التي فرضناها علة وضع مع الصورة المعلولة و الهيولى المعلول و يجب هاهنا تفسير قولنا الصورة تفعل بمشاركة الوضع أولا ثم بيان استحالة تحقق ذلك هاهنا ثانيا اما الأول و هو أن القوة الجسمانية انما يظهر أثرها أولا فى محلها ثم فيما يماس محلها ثم فى المماس لما يماس محلها و كلما كان الشيء أقرب الى مماسة محلها كان حصول الاثر فيه قبل حصوله فيما كان أبعد من محله و اذا ظهر التصور ظهر التصديق بالاستقراء و أيضا فتأثير القوة فيما يقرب من محلها و فيما يبعد عنه لو كان على السواء حتى ان القوة النارية الحالة فى هذا الجسم تسخن البعيد عن هذا المحل كما تسخن القريب منه لم يكن حصولها فى هذا الجسم أولى من حلولها فى سائر الاجسام لانه اذا كان باسرها سواء بالنسبة الى كل الاجسام لم يكن لها اختصاص بشيء من الاجسام و لو كان كذلك لما كانت القوة جسمانية بل كانت مجردة فظهر المراد من قولنا الصورة الجسمانية لا تفعل الا بمشاركة الوضع و اما الثاني و هو انه ليس بين الصورة التي فرضناها علة و بين الصورة و الهيولى اللتين فرضناهما معلولتين وضع فلا أن الهيولى فى ذاتها غير مختصة بحيز و وضع و الا لكانت الهيولى نفس الجسم و اذا لم تكن مختصة بوضع و موضع استحال أن يكون لشيء آخر قرب و بعد بالنسبة اليها و ذلك معلوم بالضرورة فثبت أن الصورة الجسمية لا تفعل الا بمشاركة الوضع و ثبت أنه يستحيل حصول الوضع بينها و بين