شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٧٨ - (اشارة إلى كيفية وقوع الشر في قضاء الله تعالى
الأول بكيفية الصواب فى ترتيب وجود الكل متبع لفيضان الخير فى الكل)
التفسير اعلم أن فى النمط السادس لما أبطل كونه تعالى فاعلا بالاختيار و كان المفهوم من العناية هو أن يفعل الفاعل فعلا لينتفع به غيره و هذا التفسير لا يتأتى مع القدح فى كونه تعالى مختارا لا جرم احتاج الى تفسير العناية و الآن أيضا لما قدح فى علمه تعالى بالجزئيات و كان ذلك المعنى المتعارف مما لا يستمر أيضا مع القدح فى العلم بالجزئيات لا جرم أعاد تفسير العناية مرة أخرى و التفسير الذي ذكره هنا هو الذي ذكره هناك من غير تفاوت أصلا فلا فائدة فى الاعادة
(المسألة الثامنة) فى كيفية دخول البشر فى القضاء الالهى خمسة فصول
(اشارة [إلى كيفية وقوع الشر في قضاء الله تعالى]
الامور الممكنة فى الوجود منها أمور يجوز أن يتعرى وجودها عن الشر و الخلل و الفساد أصلا و منها أمور لا يمكن أن تكون فاضلة فضيلتها الا و يكون بحيث يعرض منها شر ما عند ازدحامات الحركات و مصادمات المتحركات و فى القسمة أمور شرية اما على الاطلاق و اما بحسب الغلبة و اذا كان الجود المحض مبدأ لفيضان الوجود الخيرى الصواب كان وجود القسم الأول واجبا فيضانه مثل وجود الجواهر العقلية و ما يشبهها و كذلك القسم الثاني يجب فيضانه فان فى أن لا يوجد خير كثير و لا يؤتى به تحرزا من شر قليل شرا كثيرا و ذلك مثل خلق النار فان النار لا يفضل فضيلتها و لا يكمل مؤنتها فى تنميم الوجود الا أن يكون بحيث تؤذى و تؤلم ما يتفق لها مصادمته من أجسام حيوانية و كذلك الاجسام الحيوانية لا يمكن أن يكون لها فضيلتها الا أن يكون بحيث يمكن أن يتأدى أحوالها فى حركاتها و سكوناتها و أحوال مثل النار فى تلك أيضا الى اجتماعات و مصاكات مؤذية و أن يتأدى أحوالها و أحوال الامور التي فى العالم الى أن يقع لها خطأ فى عقد ضار فى المعاد و فى الحق أو فرط هيجان غالب عامل من شهوة أو غضب ضار فى أمر المعاد و تكون القوى المذكورة لا تغنى غناها أو تكون بحيث يعرص لها عند المصادمات عارض خطأ و غلبة هيجان و ذلك فى أشخاص أقل من أشخاص السالمين و فى أوقات أقل من أوقات السلامة و لان هذا معلوم فى العناية الاولى فهو كالمقصود بالعرض فالشر داخل فى القدر بالعرض كانه مثلا مرضى به بالعرض)
التفسير الغرض من هذا الفصل ذكر أسباب الشرور و الكلام فيه مبنى على تقديم تقسيم و هو أن يقول الموجود اما أن يكون خيرا محضا أو الخيرية غالبة فيه أو الخيرية و الشرية فيه سبان أو الشرية غالبة فيه أو يكون شرا محضا فهذه أقسام خمسة لا مزيد عليها أما القسم الأول فان الحكمة الالهية التي هى مبدأ لرحمة و ينبوع الخير و الجود تقتضى حصوله و أما القسم الثاني فان الحكمة تقتضى حصوله لانه لو لم يحصل لاندفعت تلك الخيرات الغالبة فاذن حصوله مفسدة قليلة و خير كثير و فى عدم حصوله عكس ذلك و تحمل أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما من مقتضيات الحكمة و هو المراد من قوله ان فى أن لا يوجد الخير الكثير تحرزا عن الشر القليل شرا كثيرا و مثال هذا