شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٧ - (تبصرة في أن اتصال النفس بالعقل الفعال لا يضرها في بقائها
التفسير فى هذا الفصل مطلوبان فالاول كيفية نزول الموجودات الى الاخس فالاخس ثم كيفية صعودها مرة أخرى الى الاشرف فالاشرف أما النزول فلان أول الموجودات هو اللّه تعالى و هو الاجل الاشرف بل هو أجل من أن يضاف الى شيء بانه أجل منه تعالى عن مقتضيات الافكار و الانظار ثم يليه العقول ثم النفوس السماوية ثم الاجرام الفلكية ثم العنصرية ثم ما فيها من الصور ثم الهيولى و الهيولى أخس الجواهر لانها شيء بالقوة لا بالفعل و أما الصعود فلان الهيولى التي لعالمنا يتصف بالجسمية ثم بالصور النوعية ثم يأخذ فى التركيب فينكسر ما فيها من سورة التضاد و يحصل فيها مشابهة ما بالاجرام السماوية فى الاعتدال و البعد عن التضاد ثم يقع فى مرتبة النبات ثم الحيوان ثم الانسان و ذلك بحصول نفسه الناطقة ثم للنفوس مراتب و أجلها أن يصير عقلا مستفادا و هنالك يكون آخر مراتب الانسانية مصافيا لاول درجات الملائكة المطلوب الثاني أن النفس الناطقة باقية بعد الموت و على هذا المطلوب دليلان احدهما ما ذكره فى هذا الموضع و هو انه قد ثبت أن النفس الناطقة التي هى محل الصور العقلية غير حالة فى الجسم و لا تعلق لها بالبدن فى ذاتها و جوهرها بل تعلقها به ليكون هو آلة لها فى اكتساب الكمالات و ثبت أن العلة المؤثرة فى وجود النفس الناطقة هى الجواهر العقلية الباقية فاذا فسد الجسم فقد فسد ما لا حاجة للنفس فى وجودها اليه مع أن العلة المؤثرة فى وجود النفس باقية و اذا كان كذلك وجب بقاء النفس بعد فساد البدن و هذه الحجة هى التي ارتضاها صاحب المعتبر فى كتابه و طول نفسه فى تقريرها
المسألة الثانية فى ان النفس الناطقة غنية فى ذاتها و فى تعقلاتها عن هذا البدل و فيها خمسة فصول
(تبصرة [في أن اتصال النفس بالعقل الفعال لا يضرها في بقائها]
اذا كانت النفس الناطقة قد استفادت ملكة الاتصال بالعقل الفعال لم يضرها فقدان الآلات لانها تعقل بذاتها كما علمت لا بآلتها و لو عقلت بآلتها لكانت لا يعرض للآلة كلال البتة الا و يعرض للقوة العاقلة كلال كما يعرض لا محالة لقوى الحس و الحركة و لكن ليس يعرض هذا الكلال بل كثيرا ما تكون القوى الحسية و الحركية فى طريق الانحلال و القوة العقلية اما ثابتة و اما فى طريق النمو و الازدياد و ليس اذا كان يعرض لها مع كلال الآلة كلال يجب أن لا يكون لها فعل بنفسها و ذلك لانك علمت أن استثناء عين التالى لا ينتج و أزيدك بيانا فأقول ان الشيء قد يعرض له من غيره ما يشغله عن فعل نفسه فليس ذلك دليلا على انه لا فعل له فى نفسه و أما اذا وجد و قد لا يشغله غيره فلا يحتاج اليه فدل على ان له فعلا بنفسه)
التفسير انما سمى هذا الفصل بالتبصرة لانه مشتمل على بيان أن النفس غير هذا البدن و غير حالة فيه و كان الانسان عمى عن رؤية نفسه حتى اشتبه به غيره و هذا الفصل سبب لان يصير بصيرا بنفسه فلذلك سماه بالتبصرة ثم نقول لما بين نفاذات النفس بعد فساد البدن شرع بعده فى بيان أن ما قبليها لمعقولاتها باقية أيضا بعد فساد البدن للحجة المذكورة بعينها فى المسألة السالفة و هى أن القابل للصور العقلية جوهر النفس و الفاعل لها هو الجواهر