شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٠٦ - (تنبيه في إثبات النبوة و الشريعة
الدلالة على وجود العارف و هى الدلالة التي يحتج الفلاسفة بها على انه لا بد من وجود النبي لانه لما كان أجل البشر العارفين و كان النبي أجل العارفين و سيدهم لا جرم كانت الدلالة الدالة على وجود النبي عليه السلام دالة على وجود العارف و أما تقرير تلك الدلالة فهو ان الانسان لا يكمل معيشته الا عند اجتماع أشخاص كثيرة منه فى موضع واحد و لن يكمل أمر ذلك الاجتماع الا عند شريعة ضابطة و لن تكمل الشريعة الضابطة الا عند وجود شارع ضابط و ذلك الشارع لا بد و أن يكون مخصوصا بآيات تدل على كون ذلك الشارع آتيا بتلك الشرائع من عند اللّه تعالى ثم لا بد و أن تكون شريعته مشتملة على فنون العبادات فهذه مقدمات خمس أما الاولى و هى أن الانسان لا يكمل معيشته الا عند الاجتماع فالامر فيه ظاهر لان غذاء الانسان و ملبسه و مسكنه صناعى لا طبيعى و الشخص الواحد لا يمكنه القيام باصلاح تلك الامور الكثيرة بل لا بد من جمع عظيم حتى ان هذا يزرع لذلك و ذلك يهيئ آلات الزراعة لهذا الأول و على هذا الطريق فقس سائر الاحوال و لهذا قيل الانسان مدنى بالطبع و أما الثانية و هى ان الاجتماع لا يكمل الا عند شريعة ضابطة فلان كل أحد يريد تحصيل جميع الخيرات و السعادات لنفسه و ذلك لان الخير مطلوب لذاته و حصول المطالب الجسمانية لواحد يقتضى فواتها عن الآخر و ذلك يقتضى وقوع العداوة فى قلب ذلك الآخر فظاهر ان الاجتماع سبب لظهور الخصومات و المنازعات فلو لا شريعة ضابطة و الا لتأدى الامر الى اثارة الفتن العظيمة و أما الثالثة و هى أنه لا بد من شارع فالامر فيها ظاهر فانه لو لا وجود شخص يبين الشريعة الناظمة لمصالح العالم و الا لما حصلت تلك الشر بعد و أما الرابعة و هو وجوب اختصاص ذلك الشارع بما يدل على كونه آتيا تلك الشرائع من عند اللّه فظاهر أيضا و أ لم يكن قبول قوله أولى من قبول قول غيره و لما كان العلم بكون المعجزات دالة على تصديق اللّه اياه لا يحصل الا بعد العلم لوجود إله مثيب معاقب وجب تحصيل العلم بهذه الأشياء و لان عمدة أمر الشارع فى ضبط مصالح العالم لما كان هو الترغيب فى الثواب و الترهيب عن العقاب وجب العلم أولا بالاله المثيب المعاقب و أما الخامسة و هى وجوب اشتمال تلك الشريعة على العبادات لانه لما كان العلم بالآلة ضروريا فى حصول مصلحة العالم فلا بدّ من شيء بذكرهم تلك المعبود و ما ذاك الا العبادات البدنية فانها لا محالة تذكر المعبود فلا جرم وجب فى الحكمة ايجاب العبادات ثم يجب استحفاظ ذلك التذكير بالتكرير فانه اذا وجب الصلاة فى اليوم و الليلة خمس مرات حصل لا محالة للمصلى تذكر المعبود خمس مرات و ذلك التكرير سبب لاستحكام التذكير و بهذا الطريق تستمر الشريعة الداعية الى العدل الذي هو سبب بقاء حياة النوع الانسانى فهذه فائدة هذه العبادات فى الدنيا و أما منافعها فى الآخرة فالثواب الجزيل و أما فائدة العارفين المولين وجوههم شطر الحضرة القدسية و العتبة الالهية فهى التي ذكرنا فى الفصل السالف و لما فرر الشيخ هذه المعانى قال فانظر الى الحكمة ثم الى الرحمة ثم الى النعمة فالمراد من الحكمة ما فى هذه العبادات من بقاء نظام العالم و المراد من الرحمة و النعمة ما فيها من الاجر الجزيل فى الآخرة و متى وقفت على هذه الحكمة البالغة عرفت كمال عناية للّه تعالى بالمخلوقات و نهاية حكمته فحينئذ يتجلى لك من أفق الجناب الالهى ما تبهرك عجائبه و أما قوله ثم أقم و استقم فمعناه انك لما عرفت الفائدة فى هذه الشرائع عرفت انه لا بد لك من أن تقيم غيرك عليها و أن تكون مستقيما فيها و لقائل أن يقول ما المعنى بقولكم لما احتاج أهل العالم الى الشارع وجب وجوده ان عنيتم به كونه موجودا واجبا لذاته فهو ظاهر الفساد و ان عنيتم به انه يجب على اللّه تكوينه و ايجاده كما يقوله المعتزلة ان العوض واجب على اللّه تعالى أى لو لم يفعله لاستحق الذم فذلك مما لا يقول به الفلاسفة أصلا و ان عنيتم به أن وجود النبي لما كان سببا لنظام هذا العالم و ثبت انه تعالى مبدأ لكل كمال و خير وجب أن يكون تعالى علة لهذا الشخص فهذا باطل أيضا لانا نقول ليس كل ما كان أصلح لهذا العالم وجب حصوله فى هذا العالم فان أهل العالم لو كانوا مجبولين على الخيرات و الفضائل لكان أصلح
من أن يكونوا على ما هم عليه الآن مع ان ذلك لم يوجد فاذا كان كذلك جاز أن يقال وجود النبي أصلح من عدمه مع انه لم يوجد أصلا و ان عنى به معنى آخر رابعا فلا بدّ من بيانه حتى يمكننا النظر فى صحته و فساده و أما قوله لا بد من اختصاص الشارع بمعجزات تدل على انه جاء بتلك الشرائع من عند اللّه فهذا أيضا غير لائق باصول الفلاسفة لان الشيخ بين فى النمط العاشر ان السبب فى تمكين الرسول من المعجزات اختصاص نفسه بقوة لاجلها يتمكن من تلك المعجزات و يسلم ان تلك القوة قد تحصل لنفس الساحر الخبيث و الفرق بين الرسول الصادق و الساحر الخبيث ليس الا بان لرسول يدعو الى الخيرات و الساحر يدعو الى الشرور و الفرق بين الخير و الشر معلوم بمجرد العقل و اذا كان كذلك كان العقل مستقلا بالفرق بين النبي و غيره من غير حاجة الى هذه المعجزات و أيضا فلان المعجزات انما تدل على الصدق لانها قائمة مقام تصديق اللّه اياه و هذا مبنى على انه تعالى عالم بالجزئيات و فاعل بالاختيار و القوم ينكرونه فكيف يستقيم لهم