شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٢ - (فائدة في بيان الفرق بين صار المتحرك مفارقا و بين أن المتحرك صار غير واصل
فى ذلك الزمان الذي بعد ذلك الآن من غير أن يجب أن يكون لذلك الزمان طرف يحصل فيه أول ذلك العدم فلم لا يجوز أيضا أن يحصل الميل فى جميع الزمان الذي بعد آن الميل الأول من غير ان يجب أن يكون لذلك الزمان طرف يحصل فيه أول وجود الميل الثاني و متى كان كذلك لم يلزم الاعتراف بوجود اثنين و سقطت الدلالة بالكلية فهذا ما فى هذه الأدلة و عليها و لنرجع الى التفسير أما قوله الحركات التي تفعل حدودا و نقطا هى التي تقع بها الوصول و البلوغ عن محرك موصل يكون فى آن الوصول موصلا بالفعل فاعلم انا بينا العلة فى أنه لما ذا يقال للحركات المستقيمة أنها تفعل حدودا و نقطا و أيضا فالحركات المستقيمة هى التي يحصل منها البلوغ و الوصول الى حد معين من حدود المسافة و القوة المحركة لا بد و ان تكون باقية حال وصول المحرك الى الحد المعين الذي فى المسافة و أما قوله فان الاتصال ليس مثل المفارقة و الحركة و غير ذلك مما لا يقع فى آن فاعلم أن المراد منه أن المفارقة و الحركة و غيرهما لا يحصل البتة فى الآن و أما الاتصال الى الحد المعين من حدود المسافة فليس كذلك بل هو حاصل فى الآن و دليله ما قدمناه و أما قوله ثم انه يزول عنه كونه موصلا فى جميع زمان مفارقة المتحرك للحدود و تكون صيرورته غير موصل دفعة و ان بقى زمانا لا لتكون الشيء مفارقا و متحركا فاعلم أن المراد منه أنه كما ثبت أن كون تلك القوة موصلة للمتحرك الى الحد المعين من حدود المسافة لا يوجد الا دفعة فى آن فكذلك صيرورتها غير موصلة لا يحصل الا فى آن و ان كان قد تستمر هذه الحالة فى جميع الزمان الذي بعد ذلك الآن بخلاف الحركة و المفارقة فانهما يستحيل حصولهما فى الآن و أما قوله و الآن الذي يصير فيه غير موصل دفعة غير الآن الذي صار فيه موصلا دفعة فاعلم أن المراد منه لما كان صيرورة القوة موصلة لا يحصل الا فى آن و صيرورتها أيضا غير موصلة كذلك فأحد الآنين لا بد و أن يكون مغايرا للثانى و إلا لزم أن تكون القوة الواحدة فى الآن الواحد موصلة الى حد و غير موصلة اليه هذا خلف و أما قوله و بينهما زمان كان موصلا فيه و هو زمان السكون لا محالة فاعلم ان تمام الكلام أن يقال فان لم يكن بين الآنين زمان لزم تتالى الآنات و هو محال و ان كان بينهما زمان و هو زمان السكون لكن الشيخ أهمل القسم الأول لظهور فساده عند الحكماء و أما قوله فكل حركة فى مسافة تنتهى الى حد تنتهى الى سكون فيكون عن الحركة التي بها يستحفظ الزمان المتصل فاعلم أن معناه أن كل حركة تنتهى الى حد فهى منتهية الى سكون و السكون عدم الحركة و كل حركة تنتهى الى حد معين فهى متناهية و الحركة الحافظة للزمان يستحيل أن تكون متناهية فكل حركة تنتهى الى حد معين فهى غير الحركة الحافظة للزمان الذي يستحيل انتهاؤه و انقطاعه و أما قوله فالحركة الوضعية هى التي ما يستحفظ الزمان فهى الدورية فاعلم أن معناه أنه لما ثبت أن الزمان عارض للحركة و ثبت أنه يستحيل أن يكون عارضا للحركة المستقيمة ثبت أنه لا بد و أن يكون من عوارض الحركة المستديرة و هو المطلوب
(فائدة [في بيان الفرق بين صار المتحرك مفارقا و بين أن المتحرك صار غير واصل]
انما يجب أن يقال صار غير موصل و لا يجب أن يقال ما يقولون صار مفارقا لان الحركة و المفارقة التي هى الحركة منسوبة الى ما تحرك عنه ليس بقع دفعة و لا فيهما ما هو أول حركة و مفارقة و ان يزول كونها موصلا واقع دفعة)
التفسير هذه الحجة هى التي لخصها الشيخ على أن بين كل حركتين سكونا كان القدماء يذكرونها لكن لا كما ينبغى فانهم كانوا يقولون هاهنا آنان أحدهما الآن الذي يصل المتحرك فيه الى الحد المعين و ثانيهما الآن الذي يتحرك فيه عن ذلك الحد و يفارقه و لا بد و أن يكون بين الآنين زمان و هذا التقرير باطل لان الحركة و المفارقة لا تحصل البتة فى آن لان كل حركة منقسمة على ما مر بيانه فى النمط الأول فيكون نصفها الأول واقعا قبل نصفها الثاني فتكون واقعة فى الزمان لا فى الآن الذي لا ينقسم و اذ كان كذلك استحال وقوع الحركة و المفارقة فى الآن و أما الشيخ فانه ترك هذه العبارة الفاسدة و قال هناك آنان أحدهما يكون الجسم فيه واصلا و الثاني الذي يصير فيه غير واصل فاقام مقام لفظ الحركة لفظ غير واصل و بهذا القدر من الاصلاح زال الاشكال لان صيرورته غير واصل حاصل فى الآن و ان كان يمكن استمراره فى جميع الزمان الذي بعده و لنرجع الى التفسير و اما قوله انما يجب أن يقال انما صار غير موصل و لا يجب أن يقال ما يقولون صار مفارقا و المراد منه ظاهر و اما قوله لان الحركة و المفارقة التي هى الحركة منسوبة الى ما تحرك عنه ليس بقع دفعة واحدة و لا فيهما ما هو أول حركة و مفارقة فاعلم أن الفرق بين الحركة و المفارقة هو أن المفارقة عبارة عن الحركة عن الشيء فالحركة مع هذه النسبة هى المفارقة