شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢١ - (اشارة في بيان أن الحركات المختلفة تمنع اتصال بعضها ببعض دون سكون بينها
بعده بل ابتداء عدمه لا بد و أن يكون فى آن يلى آن وجوده و يلزم تتالى الآنات و الجواب ان ابتداء الزمان الذي هو فى جميعه معدوم ليس آنا آخر بل هو عين ذلك الآن الذي هو هو و لا استحالة فى أن يكون الشيء موصوفا بصفة فى زمان و يكون فى الآن الذي هو طرف ذلك الزمان على اختلاف تلك الصفة و هذا منتهى تقرير كلام الشيخ و الاشكال عليه باق من وجهين الأول ان حصول الشيء أو عدمه على التدريج غير معقول لان كل ما كان واقعا على التدريج افترض فى زمان وقوعه جز آن فاما ان يكون قد حصل فى الجزء الأول من ذلك الزمان شيء أو ما حصل فان كان ما حصل شيء البتة فى الجزء الأول من ذلك الزمان لم يكن هو واقعا فى كل ذلك الزمان بل فى بعضه و قد فرضناه واقعا فى كله هذا خلف و ان حصل شيء فى الجزء الأول فاما أن يكون الذي حصل فى الجزء الأول من الزمان الذي حصل فى الجزء الثاني منه أو غيره و الأول باطل لان الذي حصل فى الجزء الأول من الزمان موجود فى ذلك الجزء من الزمان و الذي سيحصل فى الجزء الثاني غير موجود فى الجزء الأول من الزمان فلو كان الحاصل فى الجزء الأول من الزمان و فى الجزء الثاني منه شيأ واحدا لزم كون الشيء الواحد موجودا معدوما معا و هو محال و اما الثاني فانه يقتضى أن يكون الحاصل فى كل جزء من أجزاء الزمان شيأ غير الحاصل فى الجزء الآخر فلا يكون ذلك حصولا للشيء الواحد على التدريج بل حصولا لامور كثيرة متعاقبة فى آخر ذلك الزمان فظهر مما قررنا أن الحصول و الزوال على التدريج غير معقول و اذا ثبت ذلك فنقول الآن كان موجودا ثم صار عدما فذلك العدم لا بد و ان يحصل دفعة واحدة ثم يستمر بعد ذلك لان كل ما حصل بعد أن لم يكن فلا بدّ له من أول حصول يكون هو حاصلا فيه ثم انه يستمر بعد ذلك و اذا ظهر ذلك ظهر تتالى الآنات الثاني لو سلمنا صحة هذا القسم و هو أن يكون عدم الآن حاصلا فى جميع الزمان الذي بعده من غير أن يكون لذلك الزمان طرف هو فيه معدوم فلم لا يجوز هاهنا أيضا أن يقال ان اللامماسة حاصلة فى كل الزمان الحاصل بعد آن المماسة مع أنه ليس لزمان اللامماسة طرف و بداية الا الآن الذي حصلت المماسة فيه و حينئذ يكفى هناك آن واحد و تفسد الحجة بالكلية و العجب أن الشيخ قد اعترف فى الشفاء بضعف هذا الدليل لاجل هذا السؤال لانه لما نقل عن المتقدمين انهم استدلوا على وجوب هذا السكون باز قالوا المماسة و المباينة تقعان فى آنين و بينهما زمان و زيف ذلك بان المباينة يستحيل وقوعها فى الآن قال بعد ذلك و كذلك ان تركوا لفظ المباينة و أورد و ابدلها لا مماسة فانه يجوز أن يكون مماسا فى طرف الزمان الذي حصل اللامماسة فى كله ثم قال و قد سلف مباينان يتعلق به تحقيق ذلك المكان فليستغن به و أنا أقول و غالب ظنى أن المكان الذي أمر الشيخ بالاستعانة به ما ذكره فى فصل الآن من أن الآن يعدم فى جميع الزمان الذي بعده فكذلك هاهنا فظهر أن هذه الحجة ساقطة على كل الاحوال و اعلم أن الشيخ قرر هذه الحجة فى الشفاء و النجاة على وجه آخر فقال المتحرك لا يتحرك الا بواسطة ميل و الميل الذي يوصل المتحرك الى حد معين من حدود المسافة لا بد و أن يكون موجودا آن وصوله اليه و الميل الذي لاجله يرجع عن ذلك الحد عن الميل الأول لان الميل الذي يحرك الشيء الى حد معين غير الذي يحرك له عنه و لا بد و ان يحصلا فى آنين و الا لكان الجسم متوجها دفعة واحدة الى جهتين و هو محال و بين ذينك الآنين زمان هو زمان السكون و اعلم أن هذه الحجة لا تتوجه عليها النقوض المذكورة على الحجة الاولى لان مركز الكواكب اذا صار مماسا لنقطة ثم لا مماسا لنقطة فلم يحصل هناك ميلان مختلفان فلا حاجة الى فرض آنين و لكن يتوجه عليها اشكالان آخران الأول انا لا نسلم ان الجسم لا يتحرك الا بواسطة الميل فانهم ما أقاموا على هذا المطلوب دلالة بلى انهم أقاموا الدلالة على أن الجسم الذي لا يكون فيه ميل الى جهة لا تقبل التحريك القسرى و ذلك انما يفيد وجود ميل عائق عن الحركة لا وجود ميل يكون
مبدأ للحركة فاين أحدهما من الآخر ثم ان سلمنا ذلك لكن لا نسلم أنه يستحيل اجتماع الميلين دفعة واحدة و تقريره ما مر فى النمط الثاني و الذي نريد هاهنا أن عندكم يصح أن يكون الجسم الواحد متحركا الى جهتين مختلفتين دفعة واحدة احداهما بالذات و الاخرى بالعرض و اذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يجتمع فى الجسم الواحد ميلان الى جهتين مختلفتين أحدهما يكون ميلا طبيعيا و الآخر قسريا بل هذا أولى لانه متى تحرك دفعة واحدة الى جهتين فقد حصلت فى الجهتين لا محالة و أما الميل الى الجهتين فليس فيه الا التوجه الى الجهتين و اذا كان لا يمتنع عندكم كونه متحركا الى جهتين فلأن لا يمتنع كونه متوجها اليهما كان أولى ثم ان سلمنا أنه يستحيل اجتماع ميلين فى آن واحد و لكن لم لا يجوز أن يقال الميل الثاني يحدث فى جميع الزمان الحاصل بعد آن الميل الأول من غير أن يكون لذلك الزمان طرف سوى الآن الأول و الذي يقويه أن عندكم عدم الآن يحصل بعد ما لم يكن فلا يخلوا ما أن يستدعى ذلك آنا يحصل فيه ذلك العدم ثم يستمر بعده أو لا يستدعى فان استدعى ذلك لزم تتالى الآنات و بطل أصل الدلالة و ان لم يستدع فنقول اذا جاز أن يحصل ذلك العدم