شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٧ - (اشارة في أن تمثل نظام جميع الموجودات إنما هو بعناية البارى بالمخلوق
حسن فى نفسه شيء لا مدخل له فى أن يختاره الغنى الا أن يكون الاتيان بذلك الحسن ينزهه و يمجده و يزكيه و يكون تركه ينقص منه و يثلمه و كل هذا ضد الغنى)
التفسير تقرير هذا السؤال أن يقال لم لا يجوز أن يقال المريد اختار ايجاد ذلك الشيء لا لغرض عائد اليه و لا لغرض عائد الى غيره بل لان ذلك الشيء فى نفسه على صفة لاجلها يجب على الحكيم ايجاده و الجواب هب أن ذلك الفعل فى نفسه كذلك و لكنه محال لو أنى به الفاعل المختار لكان فاعلا للاليق الاحسن و لو لم يأت به لم يكن كذلك فحينئذ يكون الفاعل مستفيدا بفعله كمالا و دفع نقص و حينئذ يعود الالزام
(اشارة [في أن تمثل نظام جميع الموجودات إنما هو بعناية البارى بالمخلوق]
لا تجدان طلبت مخلصا الا أن تقول ان تمثل النظام الكلى فى العلم السابق مع وقته الواجب اللائق يفيض منه ذلك النظام على ترتيبه و تفاصيله معقولا فيضانه و ذلك هو العناية و هذه جملة ستهدى سبيل تفصيلها)
التفسير قال رضى اللّه عنه و أرضاه أقول لما بين أنه لا يجوز أن يقال اللّه خلق الخلق لينتفعوا به احتاج الى تفسير عناية اللّه تعالى بالمخلوقات فذكر فى تفسيرها ان اللّه تعالى عالم بان الاحسن الاكمل فى كل نوع أى شيء هو ثم ان علمه بذلك سبب لحصول ذلك المعلوم فعلمه بذلك مع صدوره عنه هو العناية و هذا آخر الفصول المذكورة فى مسئلة ان كل فاعل بالقصد و الاختيار فهو مستكمل بفعله و اما وجه نظم هذه الفصول و كيفية ترتيبها فعلى ما أقول لو كان البارى تعالى فاعلا بالقصد و الاختيار لما كان غنيا و لما كان ملكا و لما كان جوادا و التوالى باطلة فالمقدم باطل أيضا و اعلم أن الشرطية لا يمكن تصحيحها الا بعد تفسير الملك و الغنى و الجواد أما الغنى فهو الذي لا يفتقر فى ذاته و لا فى شيء من صفاته الحقيقية الى غيره البتة و اما الملك فهو الذي يستغنى عن كل ما عداه و يفتقر اليه كل ما عداه فيكون الغنى جزأ من مفهوم الملك و اما الجواد فهو الذي يفيد ما ينبغى لا لعوض سواء كان العوض عينا أو ثناء أو مدحا أو استحقاقا للحمد أو تخلصا عن الذم و اذا عرفت تفسير هذه الالفاظ فنقول الدليل على صحة الشرطية أن كل من فعل فعلا بالقصد و الارادة فلا بدّ و أن يكون ذلك الفعل أولى به فى اعتقاده من تركه لانه ان كان الفعل و الترك بالنسبة اليه فى اعتقاده على السواء استحال منه ترجيح أحد الطرفين على الآخر و كل ما كان الفعل أولى به من الترك فانه يطلب بالفعل استفادة تلك الاولوية و تحصيلها فثبت أن كل فاعل بالقصد فانه لا بد و أن يكون مستكملا بذلك الفعل و حينئذ لا يكون غنيا مطلقا لانه مفتقر فى حصول ذلك الكمال له الى غيره و لم يكن ملكا أيضا لان الملك مفسر بمجموع أمرين أحدهما الغنى فعند فقدان أحد القيدين و هو الغنى يستحيل أن يكون ملكا و لم يكن أيضا جوادا لان من شرط الجود عدم العوض و هاهنا العوض مطلوب و هو تحصيل ذلك الكمال فثبت أنه لو كان فاعلا بالارادة لما كان غنيا و لا ملكا و لا جوادا لكن التوالى ظاهرة الفساد بالاتفاق فالمقدم مثله لا يقال لم لا يجوز أن يقال الفاعل بالارادة انما فعل ذلك الشيء لانه فى نفسه حسن و واجب لا لانه يستفيد منه كمالا و نفعا أو يقال انما فعله لنفع عائد الى الغير لانا نقول الاتيان بذلك الحسن ينزهه و بمجده و عدم الاتيان به يوقعه فى استحقاق الذم و حينئذ يعود الاشكال و لما ثبت أن كل فاعل بالارادة فانه مستكمل بما يفعله ثبت أنه لا يجوز أن يفعل العالى لاجل السافل شيأ و الا لكان العالى مستكملا بالسافل فيكون الشريف مستكملا بالخسيس و هو محال و لما ثبت أنه لا يجوز أن يكون اللّه تعالى فاعلا بالارادة و الاتفاق حاصل على عناية اللّه تعالى وجب تفسير العناية بما لا يبطل ذلك فتفسيرها حينئذ بعلم اللّه تعالى بالوجه الاحسن من الوجوه الممكنة على ما مر تمام تقريره فهذا نظم هذه الكلمات و اعلم أن الحجة بعد تقريرها و تهذيبها خطابية لانه يقال ما المعنى بانه يلزم أن لا يكون غنيا و لا ملكا و لا جواد ان عنيت به أنه متى فعل ما وجب عليه لم يكن