شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٨٩ - (وهم و تنبيه في إزالة شبهة هي أن الصحة و السلامة كمال و خير
يلزم من ذلك أن يكون ادراك الاحوال الحاصلة عند احتراق الاعضاء أو تبردها بالثلج لذة لانه حصل هناك ادراك الموجود و لزم فى سماع الاصوات المنكرة و شم الروائح المؤذية و رؤية الأشياء المؤذية أن يكون كذلك لذات و ذلك مما لا خفاء فى فساده اللهم الا أن يقول قائل اما تسمى هذه الأشياء باللذة فانا لا ننازعه فيه اذ لا مشاحة فى العبارات و لكن ذلك يكون خروجا عن تعريف الحقيقة التي حاولنا تعريفها فانا نجد عند الاكل و الشرب و الوقاع حالة مخصوصة متميزة عما عداها من الاحوال النفسانية و نحن لم نحاول الا تعريف تلك الحالة و ما يشبهها و العلم الضرورى حاصل بان الامر الحاصل عند الاحتراق ليس من جنسها بل ضدها فعلمنا فساد ذلك و أما فى الالم فلان العدم لا يكون محسوسا و ثانيهما التفسير المشهور و هو ان لخير هو اللذة و ما يكون وسيلة ليها و اشر هو الالم و ما يكون وسيلة ليه و اذا كان كذلك فقولنا اللذة ادراك الخيرة و الالم ادراك الشر معناه ان اللذة ادراك اللذة و ما يكون وسيلة ليها و الالم ادراك الالم و ما يكون وسيلة اليه و فساد ذلك ظاهر و اذا عرفت ذلك فنقول للشيخ ان فسرت الخير و الشر بأحد هذين التفسيرين توجه الاعتراض المذكور و ان فسرتهما بشيء ثالث فلا بدّ من ذكره لننظر فى أنه هل هو جيد أم لا و أما الكمال و الآفة فالقول فيهما قريب من القول فى الخير و الشر و الاكثرون فسروا الكمال بانه حصول شيء شيء من شأنه أن يكون له فيقال لهم ان كان المراد من قولكم من شأنه أن يكون له أى يمكن اتصافه به لزم أن يكون الجهل و الاخلاق الرديئة كمالات لانها صفات يمكن اتصاف النفس بها و كذلك الاشكال المعوجة و النفوس الرديئة و التركيبات الفاسدة يلزم أن تكون كلها كمالات لامكان اتصاف تلك الاجسام بهذه الصفات و ان كان المراد بذلك شيأ آخر فاذكروه لننظر فيه فقد ظهر و لاح ان التعريف الذي ذكروه للذة و الالم ليس بجيد و أيضا و قوله فقوله اللذة ادرك و نيل لكذا فيه بحث آخر و هو ان لفظة النيل لا شك انها هاهنا مجاز و تحقيقه الادراك و اذا كان الادراك مذكورا كان ترك هذه اللفظة المجازية أولى و التحقيق فى هذا الباب ما ذكرنا ان ماهية اللذة و الالم متصورة تصورا أوليا بديهيا بل تصورهما من أجلى التصورات و اظهرها و أقواها و المراد من الحد و الرسم تعريف لخفى بالواضح و اذا كان كذلك كان تعريفها بين الماهيتين خطأ فاما قوله فقد يختلف الخير و الشر بحسب القياس الى آخره فاعلم أنه لما ذكر أن اللذة عبارة عن ادراك الخير بين ان الامر كذلك فى اللذات الشهوانية و اللذات الغضبية و اللذات العقلية أما الشهوة فلان الملائم الملمس لها و المطعم الجيد فلا جرم كان ادراكها لذة و أما شهوانية الغضب فان الملائم له الغلبة فلا جرم كان ادراكها لذة غضبية و أما العقل فلان الملائم له تارة و باعتبار فالحق اما تارة فبعد الموت و اما باعتبار فعند استكمال العقل النظرى و تارة و باعتبار فالجميل اما تارة فقبل الموت و اما باعتبار فعند استكمال العقل العملى ثم ذكر بعد ذلك أمورا أخر ملائمة للعقل و هى نيل الشكر و وفور المدح و الحمد و الكرامة و بالجملة فان همم ذوى العقول فى ذلك مختلفة فقد يكون رغبة الواحد فى بعض هذه الامور أكثر من رغبة الآخر فيه ثم لما بين ان الحد الذي ذكره لذة حاصل فى جميع أقسامها عاد الى شرح حد اللذة فذكر أن كل خير بالقياس الى شيء ما فهو الكمال الذي يختص به و ينحوه و يتوجه اليه بحسب استعداده الأول و اعلم ان هذا مشعر بان الكمال و الخير شيء واحد و حينئذ يكون ذكر أحدهما مغنيا عن الآخر فوجب حذف أحدهما و أما قوله و كل لذة فهى تتعلق بامرين بكمال خيرى و بادراك له من حيث هو كذلك فاعلم ان البحث المعنوى المهم فى هذا الموضع أن نقول انا إذا أكلنا وجدنا من أنفسنا حالة نسميها باللذة و تميز بينها و بين ما عداها من الاحوال النفسانية و نعلم أيضا انا حين ما أكلنا فقد أدركنا طعم ذلك الغذاء لكنا لا ندرى ان تلك الحالة المسماة باللذة هل هى نفس ادراكنا لذلك الطعم أم لا بل لا بد من اقامة البرهان على ان أحدهما نفس الآخر أو غيره و الشيخ ما دار حول هذا المعنى أصلا
(وهم و تنبيه [في إزالة شبهة هي أن الصحة و السلامة كمال و خير]
و لعل ظانّا يظن أن من الكمالات و الخيرات ما لا يلتذ به للذة التي تناسب مبلغه مثل الصحة و السلامة فلا يلتذ بهما