شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٩٧ - (تنبيه في بيان حال النفوس الخالية عن الكمال
(تنبيه [في بيان حال النفوس الخالية عن الكمال]
و أما البله فانهم اذا تنزهوا خلصوا من البدن الى سعادة تليق بهم و لعلهم لا يستغنون فيها عن معاونة جسم يكون موضوعا لتخيلات لهم و لا يمتنع أن يكون ذلك جسما سماويا أو ما يشبهه و لعل ذلك يفضى بهم آخر الامر الى الاستعداد للاتصال المسعد الذي للعارفين فاما التناسخ فى أجسام من جنس ما كانت فيه فمستحيل و الا لاقتضى كل مزاج نفسا يفيض اليه و قارنتها النفس المستنسخة فكان لحيوان واحد نفسان ثم ليس يجب أن يتصل كل فناء يكون و لا أن يكون عدد الكائنات من الاجسام عدد ما يفارقها من النفوس و لا أن يكون عدة نفوس مفارقة يستحق بدنا واحدا فيتصل به أو يتدافع عنه متمانعة ثم أبسط هذا و استعن بما تجده فى مواضع أخر لنا)
التفسير لما تكلم فى أحوال النفوس الموصوفة بالعلوم و الاخلاق الفاضلة أراد أن يتكلم فى أحوال النفوس الخالية عن العلوم و الاخلاق و اعلم أن كثيرا من المتقدمين و منهم الاسكندر ذهبوا الى أنها تفنى لكن الدلالة المانعة من فناء النفوس بعد موت البدن غير مختصة بنفس دون نفس و أما الاكثرون فقد اتفقوا على انها باقية و قد اتفقوا على انه لا يجوز أن تبقى بعد الموت معطلة بل لا بد و أن يكون لها ضرب من السعادة لاتفاقهم على انه لا معطل فى الطبيعة ثم من الحكماء من زعم ان تلك النفوس تتعلق بضرب من الاجسام السماوية و يتخذها آلات لادراكاتها و تخيلاتها و يحصل لها بسبب ذلك ضرب من السعادة و هذا القول مما يميل اليه الشيخ و من الناس من زعم انها تتعلق بابدان أخر على سبيل التناسخ و الشيخ اشتغل هاهنا ببيان ابطال التناسخ و الدلالة على ذلك من وجوه الأول و هو ان الدلالة قد دلت على حدوث النفس و دلت على ان العلة الموجدة لها جوهر مفارق أزلى و اذا كان كذلك وجب أن يكون حدوثها عن علتها متوقفا على حدوث شرط مخصوص و ما ذاك لا حدوث المزاج القابل لتلك النفس و اذا كان كذلك كان حدوث المزاج علة لفيضان نفس ناطقة عن العقل الفعال فلو حدث مزاج و تعلقت به نفس على سبيل التناسخ وجب أن يحدث هناك