شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١١١ - (اشارة في ذكر ما هو مبدء حركة العارف و هو الارادة
(اشارة [في ذكر ما هو مبدء حركة العارف و هو الارادة]
أول درجات حركات العارفين ما يسمونه هم الارادة و هو ما يعترى المستبصر باليقين البرهانى أو الساكن النفس الى العقد الايمانى من الرغبة فى اعتلاق العروة الوثقى فيتحرك سره الى القدس لينال من روح الاتصال فما دامت درجته هذه فهو مريد)
التفسير اعتلقه أى أحبه ثم تقول اذا حصل الاعتقاد فى ان السعادة بالاعراض عما سوى اللّه و الاقبال على اللّه سواء حصل هذا الاعتقاد بالبرهان أو بالتقليد اقتضى ذلك الاعتقاد ارادة الاعراض عما سوى اللّه و التوجه الى اللّه فما دام الشخص كذلك يسمى مريدا و التحقيق فى هذا الباب ان طالبى هذه الطريقة على أربعة أقسام أحدها الذين ما رسوا العلوم الالهية و اجتهدوا فى طلبها و الوصول الى دقائقها بالانظار الدقيقة و الافكار العميقة فحصل لهم شوق شديد و انجذاب تام الى الجانب الا على فحملهم حب الاستكمال فى ذلك على الرياضة و ثانيها النفوس التي مالت باصل فطرتها و غريزة جوهرها الى ذلك الجانب من غير أن يتعلموا علما أو مارسوا بحثا و نظرا حتى انهم فى حال ساذجيتهم متى سنح لهم انقطاع قليل عن المحسوسات اما فى سماع أو فكر قليل استولى الوجد عليهم و اشتد الحزن فيهم و غشيهم من الاحوال النفسانية و السوانح القدسية ما يذهلهم عن الجسمانيات و علائقها و ثالثها النفوس الموصوفة بالوصفين جميعا أعنى أن يكون باصل فطرتها جبلت على الحنين الى جناب العزة ثم استكمل ذلك الشوق بالارتياض بالمعالم الالهية و المباحث الحقيقية و رابعها النفوس الخالية عن الوصفين ثم انها لكثرة سماعها كمال هذه الطريقة و ان قصارى السعادة البشرية و ملاك البهجة الانسانية مرتبط بها مالت اليها و اعتقدت فيها فهذه أقسام أربعة لطالبى هذه الطريقة لا مزيد عليها و الرياضية اللائقة بكل واحد منها غير اللائقة بالاخرى و نحن نشير الى معاقد قواعدها لكن بعد تقديم مقدمتين فالمقدمة الاولى ان النفحات الالهية دائمة مستمرة و ان كل من يوصل اليها وصل اليها على ما قال سبحانه و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا المقدمة الثانية انا بينا فى سائر كتبنا انه ما قامت دلالة البتة على اتحاد النفوس البشرية فى النوع بل الظن الغالب انها قد تكون مختلفة و اذا كان كذلك فربما كان بعض النفوس مستعدا استعداد شديد الهدا المطلب و ربما لم يكن مستعدا لها البتة و بين الطرفين طرفى الكمال و العدم أوساط مختلفة بالقوة و الضعف و اذا عرفت ذلك فنقول أما القسمان الاولان أعنى التي حصل الشوق لها بالعلم دون الفطرة و التي حصل الشوق لها بالفطرة دون العلم فلكل واحد منهما ما ليس للآخر فلا جرم يخالف كل واحد منهما الآخر فى الكسب و المكتسب أما الكسب فلان صاحب العلم الاولى له فى الأكثر الحركة و الانقطاع عن الخلق لان الحاجة الى الغير لاجل أن يكون له من يهديه و عن الضلالات يقيه و لا مرشد فوق العلم و أما صاحب الفطرة اذ لم يكن عالما احتاج لا محالة الى المعلم و المرشد لئلا ينحرف عن سواء السبيل و لا يقع فى المتالف و المعاطب و أما المكتسب فلان صاحب العلم اذا اشتغل بالرياضية كانت مشاهداته و مكاشفاته أكثر كمية و أقل كيفية مما لصاحب الفطرة أما انها أكثر كمية فلان قوته النظرية نعينه عليه و اما أنها أقل كيفية فلان القوة النفسانية تتوزع على تلك الكثرة و كلما كانت الكثرة أكثر كان توزع القوة الى أقسامها أكثر فكان كل واحد منها أضعف لما عرفت ان الجزء الأكثر من القوة أقوى و اذا وقفت على ذلك علمت أن الامر فى جانب الفطرة بالضد من ذلك و أما القسم الثالث و هو النفس المستجمعة للقوة الفطرية و المعارف الاكتسابية فهى النفس الشريفة الكاملة القدسية التي يكاد زيتها يضيء و لو لم تمسه نار و هذه الاقسام الثلاثة مشتركة فى ان رياضاتها القلبية يجب أن تكون زائدة فى الكم و الكيف على رياضاتها البدنية لان المقصود من الرياضات البدنية حصول الرياضات القلبية و اذا حصل المقصود كان الاشتغال بالوسيلة عبثا بل ربما كان عائقا لكن لا بد من المحافظة على وظائف الفرائض لئلا تتعود النفس