شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٤٩ - (زيادة و تحصيل في بيان كيفية صدور الكثرة عن المبدأ الأول
الممكنات الى العدم الصرف و هو سد باب اثبات واجب الوجود فهذا برهان قاهر على أن الامكان لا يجوز أن يكون علة لوجود الفلك و أى عاقل يجوز أن يقول المقتضى لوجود هذه الاجسام العظيمة مجرد وصف عدمى لا ثبوت له أصلا و العجب أن هؤلاء اتفقوا على أن لا يجوز أن يكون جسم علة لجسم آخر و عللوا ذلك بان الجسم مركب من الهيولى و الصورة و الصورة لا تفعل الا بمشاركة الهيولى و الهيولى ذاتها قابل و لا معنى للقبول الا الامكان فلاجل ما بين الجسم و بين الامكان من هذا التعلق البعيد أخرجوا الجسم عن أن يكون له صلاحية العلة و التأثير ثم جاءوا و جعلوا نفس الامكان علة ما هذا الا من التعسف الشديد الحجة الثانية ان الأدلة الدالة على ان الوجود فى الموجودات أمر واحد و ان الجسمية فى الاجسام واحدة فهى أيضا دالة على ان الامكان فى الممكنات أمر واحد و قد تقرر فى بداية العقول أن حكم الشيء حكم مثله فلو صلح امكان العقل الأول لان يكون علة لشيء لصلح كل امكان لان يكون علة لذلك الشيء فاذا صلح امكان العقل الأول لان يكون علة للفلك الأول فليصلح امكان ذلك الفلك نفسه لان تكون علة لوجود نفسه و حينئذ يكون الفلك موجودا لذاته و يخرج عن كونه ممكنا فالحاصل أن الامكان لو كان علة لشيء لوجب أن لا يكون فى الوجود موجود ممكن و لما كان التالى محالا فالمقدم مثله و اما أن مجرد الوجود لا يصلح للعلية فالامر فيه أيضا كذلك لان وجود كل شيء يساوى وجود غيره و لو صلح وجود العلية لصلح كل وجود لها و اما كونه واجبا بالغير فهو ليس بصفة ثبوتية و الا لكانت ممكنة لان وجوبه بالغير اضافة عارضة بالنسبة الى الغير و الاضافات متأخرة و ممكنة فلا بدّ لها من سبب فيكون وجوبه زائدا عليه و لزم التسلسل فظهر أنه لا الامكان و لا الوجود و لا الوجوب بالغير صالح للعلية و اما الاحتمال الثاني و هو أن يجعل كون العقل عاقلا لذاته و لعلته علة للمعلولين المذكورين فلانا قد دللنا فى سائر كتبنا على أن علمه بذاته و لغيره لا بد و أن يكون زائدا على ذاته و حينئذ يعود البحث عن علة ذلك الزائد و لنساعد الآن على أن علم الشيء بنفسه و لغيره قد يكون نفس نفسه فى الجملة فنقول علم العقل الأول بنفسه و لعلته اما أن يكون نفس نفسه أو زائدا عليها كان الأول فمعلوم انه لا كثرة فيه الا بالامكان و الوجود و الوجوب و حينئذ يعود الاشكال الأول و ان كان زائدا عليه عاد الطلب فى علة حصول ذلك الزائد و اشكال آخر و هو أن كل علمين تعلقا بمعلوم واحد من وجه واحد فهما مثلان لان العلم عندكم صورة مساوية للمعلوم فاذا كان المعلوم واحدا كان الصورتان متساويتين و اذا كان كذلك استحلل أن يكون علم العقل بنفسه علة للفلك و علم معلوله به علة لعقل آخر لاستحالة أن تكون الأشياء المتساوية مختلفة فى اللوازم و لا دافع لهذا السؤال الا أن المعلول لا يعرف علته كما تعرف تلك العلة نفسها ثم لئن وقعت المساعدة على أن هذه الاعتبارات صالحة للعلية و لكنها غير كافية و ذلك لان الفلك ليس موجودا واحدا بل هو مركب عن الهيولى و الصورة الجسمية و الصورة النوعية و المقدار الخاص و الشكل الخاص و الوضع الخاص و بالجملة فله من كل مقولة من المقولات العشر نوع أو أنواع فهذه الامور و الكثيرة اذا أسندها الى جهة واحدة فى العقل الأول أو جهتين لزم انتساب أكثر من الواحد الى الجهة الواحدة و هو يقتضى هدم هذه القاعدة و الاساس و لنكتف بهذا القدر من الاشكالات و لنرجع الى التفسير فاما قوله و لانه معلول فلا مانع من أن يكون هو متقوما من مختلفات ففيه اشكال لان عده علة الشيء المركب لا بد و أن يكون علة أولا لاجزائه و مقوماته فلو كان المعلول الأول متقوما من مختلفات لوجب أن يكون البارى تعالى علة لتلك الامور فيكون قد صدر عنه أكثر من واحد و ذلك هدم أصلهم الا أن يقال انه علة لاحد أجزاء الماهية فقط و بواسطته يكون علة لماهية لكنا نقول الجزء الأخير من الماهية ان لم يكن مفتقرا الى علة أصلا كان واجبا لذاته و هو محال و ان افتقر اليها فاما أن تكون تلك العلة هى الجزء الأول الذي صدر عن البارى تعالى فحينئذ يكون معلول البارى تعالى هو أحد الجزءين و الجزء الثاني معلول معلوله فيكون المعلول الأول
بسيطا فيمتنع تقومه عن المختلفات و قد فرضنا أنه لا يمتنع هذا خلف أو شيأ آخر و هو أيضا محال لان ما عدا البارى تعالى و هذه الماهية المركبة من هذين الجزءين معلول هذه الماهية المركبة فلو جعلنا شيأ علة لاحد جزأيها لكنا قد جعلنا شيأ من مقومات المعلول الأول علة لاحد أجزائه و ذلك محال فظهر أنه لا يجوز أن يكون المعلول الأول مركبا من المقومات و به يظهر فساد قولهم الجوهر جنس لما تحته لانه لو كان كذلك لكان العقل الأول الداخل فيه مركبا من الجنس و الفصل و قد بينا أنه محال و اما قوله و كيف لا و له ماهية امكانية و وجود واجب من غيره فاعلم أنه يشبه أن يكون المواد منه الاستدلال على الدعوى التي ذكرها من أن المعلول الأول لا يمتنع أن يكون مركبا من المقومات لكن هذا الاستدلال ضعيف جدا لان امكان الشيء صفة اضافية عارضة لماهيته و الوجود ايضا صفة عارضية و كثرة العوارض الخارجة لا يقتضى كثرة فى الماهية فان البارى تعالى له صفات اضافية كثيرة عارضة لذاته و لا يلزم من ذلك كون ذاك متقومة