شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٢ - (تنبيه في بيان كثرة العقول المفارقة
شوق و أما قوله و مبدأ ذلك فى أحوال الوضع التي هى هيآت فياضة الى آخره فمعناه أن ذلك الامر الذي به يحصل تشبه الفلك بالعقل ليس الا استخراج الايون و الاوضاع من القوة الى الفعل و اعلم أن هذه أيضا دعوى مجردة فانهم ما أقاموا على حصر المقولات حجة قطعية و بتقدير ذلك فما أقاموا على حصر كل واحد منها فى أنواع معدودة حجة قطعية و اذا كان كذلك فلا بد لهم من دلالة قاطعة على أنه لا صفة يمكن أن يتشبه الفلك فيها بالعقل المجرد الا الحركة و هم ما ذكروه ثم انا نعين بذلك تبرعا فنقول لم لا يجوز أن يكون مطلوبه من ذلك استخراج التعقلات الجزئية من القوة الى الفعل بل هذا أولى لان من أخذ يعدو فى العالم و يقول غرضى استخراج الايون من القوة الى الفعل عد عائبا مجنونا و لو قال غرضى استخراج التعقلات من القوة الى الفعل عد عاقلا خصيفا و اعلم أن تقسيمهم فى هذه الطريقة منتشر جدا و ابطالهم لما عدا القسم المطلوب لهم ضعيف و بالجملة فكلامهم فى هذه الطريقة فى غاية الركاكة
(تنبيه [في بيان كثرة العقول المفارقة]
لو كان المتشبه به فى جميع السماوية واحدا لكان التشبه فى جميع السماوية واحدا و هو مختلف و لو كان لواحد منها مشابهة بالآخر لشابهه فى المنهاج كذلك الا فى قليل)
التفسير أقول من الناس من سلم أن الافلاك انما تتحرك شوقا الى التشبه بموجود كامل لكنه زعم أن المتشبه به هو اللّه تعالى و منهم من زعم أن كل فلك سافل فانه متشبه بالفلك الذي فوقه و أما الفلك الاقصى فهو متشبه بالله تعالى و على هذا التقدير لا حاجة الى اثبات العقول ثم ان الشيخ أبطل القول الأول بأنه لو كان كذلك لكان التشبه فى الكل واحدا لكان يجب أن يكون جميع الافلاك متساوية فى جهات الحركات و سرعتها و بطئها لكن من المعلوم أنه ليس كذلك و أبطل القول الثاني بان فلكا لو تشبه بفلك آخر لشابهه فى الجهة و السرعة و البطء و ليس الامر كذلك الا فى القليل و هى ممثلات الكواكب السيارة سوى ممثل القمر فان حركاتها متساوية لحركة فلك البروج فى جهة الحركة و بطئها و اقطابها و مناطقها و لقائل أن يقول الذي ألزمتموه على القائلين بأن المتشبه به واحد لازم أيضا عليكم و بيانه أنا لا نعنى بقولنا الفلك يريد التشبه بالعقل هو أنه يريد أن يجعل نفسه مثل العقل فان ذلك لا يتأتى الا بانقلاب الحقائق و هو محال بل نعنى به أن الفلك لما علم أن العقل قد خرج جميع كمالاته اللائقة به من القوة الى الفعل أراد أن يستخرج هو جميع كمالاته اللائقة به من القوة الى الفعل و اذا كان كذلك كان تشبه الفلك بالعقل المعين لا من حيث انه ذلك النوع المعين بل من حيث انه كماله المطلق و جميع العقول مشترك فى الكمال المطلق أعنى أن كل ما كان فيها بالقوة فهو خارج الى الفعل و اذا كان ما به امتاز كل واحد من العقول عن الآخر خارجا عما به وقع تشبه الافلاك بها كان المتشبه به من العقول هو القدر المشترك فكان المتشبه به فى الحقيقة شيأ واحدا فظهر أن الالزام الذي ذكرتموه وارد عليكم أيضا الجواب أن يقال انه سيأتى اقامة الدلالة على أن هيولى كل فلك مخالفة بالماهية لهيولى الفلك الآخر و لذلك يستحيل عليها الاتصال بالغير و الانفصال عنه