شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٥ - (اشارة في بيان ترتيب صدور موجودات عالم الكون و الفساد
الاستكمال بالآلات البدنية و الاستفادة من الافاضات العالية و هذا الكلام بحث عن أحوال النفوس و خارج عن البحث عن كيفية درجات المعلولات فهذا هو الشرح ثم هاهنا شك فى موضعين فالاول انا وقفنا صدور الصور العنصرية عن العقل الفعال على حدوث الاستعدادات التامة فى المواد العنصرية و أسندنا هذه الاستعدادات الى اختلاف الاحوال السماوية فنقول هذه الاستعدادات اما أن تكون أمورا ثبوتية أو لا تكون فان كانت أمورا ثبوتية و قد أسندناها الى الاجرام السماوية فحينئذ قد اعترفنا بان اختلاف الاحوال السماوية صالحة لان تكون مؤثرة فى حدوث أشياء و اذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال هذه الصور العنصرية انما حصلت من اختلاف الاحوال السماوية حتى يقع الاستغناء عن اسنادها الى العقل الفعال لا يقال الفرق هو أن الصور الجسمانية انما تفعل بمشاركة الوضع و قد عرفت أن الوضع مع الهيولى و الصور الجسمية محال فلا جرم يستحيل أن يكون صورة جسمية علة لجسم و اما الوضع مع الجسم القابل للاعراض و الكيفيات ممكن فلا جرم كان تأثير الجسم فى ثبوت هذه الاحوال ممكنا معقولا لانا نقول فيلزمكم امكان اسناد جميع الكيفيات و القوى و الاعراض الحاصلة فى عالمنا ما عدا الصور الجسمية الى الاجرام الفلكية و أنتم لا تقولون بذلك و اما ان لم تكن هذه الاستعدادت أمورا ثبوتية كان حال المادة حال حصول ذلك الاستعداد كحالها عند عدمه و اذا كانت الاحوال متساوية فى الازمنة كلها استحال حصولها الترجيح الثاني و هو أن العقل الفعال لما كان سببا لحدوث جميع الصور و القوى فى هذا العالم فقد صدر عنه أنواع غير متناهية و هذا يقدح فى أصل هذا الباب و هو أن الواحد لا يصدر عنه الا الواحد لا يقال العلة لا تأثير لها فى ماهية المعلول فان كون السواد سوادا مثلا لو كان لعلة لزم أن لا يبقى السواد سوادا عند فرض عدم تلك العلة و هذا محال محال و انما تأثيرها فى وجود المعلول و الوجود من حيث أنه وجود امر واحد نوعى و الماهية الواحدة النوعية انما تتعدد لتعدد القوابل لكن حصول الشيء فى القابل متأخر عن حصوله فى نفسه فالوجود حين حصل عن العقل الفعال لم يكن متعددا فلم يصدر عنه أكثر من أمر واحد بلى أنه صار متعددا بعد صدوره عنه و ذلك لا يقدح فى الفرض لانا نقول لهذا العذر باطل من وجوه الأول لا نعلم أن العلة لا تأثير لها فى ماهية المعلول و قوله و لو كان لها تأثير فى كون السواد سواد الخرج السواد مثلا عن كونه سوادا عند فرض عدم عليته قلنا هذا باطل لانا اذا فرضنا عدم علة ماهية السواد فلا نقول السواد مع أنه سواد خرج عن كونه سوادا بل نقول انه لا يبقى السواد أصلا و هذا الكلام لا تناقض فيه و تحقيقه و هو ان الذي ذكروه لو صح لكان مثله واردا فى الوجود لانه يقال لو كان للعلة تأثير فى وجود الشيء لكنا اذا فرضنا عدم العلة وجب أن لا يبقى الوجود وجودا فان التزموا ذلك و قالوا لا تأثير للعلة فى الوجود بل فى جعل الماهية موجودة فنقول العلة اما أن يكون لها أثرا و لا يكون فان كان لها أثر كان الكلام المذكور فى الماهية و الوجود عائدا فيه بعينه و ان لم يكن لها أثر كان ذلك قدحا فى كونها علة ثم الذي يدل على أنه ليس تأثير العلة الموجدة للشيء فى الوجود وحده بل و فى الماهية أيضا ان الوجودات متساوية و حكم الشيء حكم مثله فلو كانت النار علة لوجود السخونة فقط لا لكونها سخونة و الماء مؤثرا فى وجود البرودة لا فى كونها برودة وجب قيام المبرد مقام المسخن و بالعكس ان المقتضى و الاثر واحد فيهما جميعا و ما به الاختلاف غير داخل فى الاثر و لما بطل ذلك علمنا فساد هذه القاعدة ثم لئن وقعت المساعدة على صحة هذه القاعدة الا انا نقول اذا صحت هذه القاعدة فلم لا تقولون بان اللّه تعالى هو المبدأ لوجود جميع الموجودات و يكون الصادر عنه هو الوجود و هو أمر واحد و اما الاختلاف و التعدد فانما جاء من قبل تعدد القوابل و على هذا الوجه يسقط ما ذكرتموه من التطويلات و اعلم أن من الناس من أجاب عن أصل هذا السؤال فقال الدلالة انما دلت على أن الواحد من جميع الوجوه لا يفعل الا فعلا واحدا الا عند تعدد الآلات كما فى أفعال النفس الناطقة أو عند تعدد المواد كما فى العقل الفعال و اما اللّه تعالى فهو المبدأ لجميع الممكنات فلا تكون مؤثريته
بواسطة آلة أو مادة فظهر الفرق و يمكن أن يجاب عن هذا الجواب بان المؤثر لا يكون جزأ من المؤثر لا سيما عندهم و اذا كان كذلك مفهوم أن العقل الفعال فاض عنه على القابل الفلانى غير مفهوم أنه فاض عنه على القابل الآخر شيء آخر و حينئذ يلزم وقوع الكثرة فى العقل الفعال الثالث و هو انكم لما اضفتم هذه الحوادث الارضية الى تلك الاحوال السماوية فتلك الاحوال لكونها حادثة تستدعى أسبابا أخر و أسبابها ان كانت سابقة عليها كان السابق على الشيء المعدوم عند وجوده يصلح أن يكون علة للشيء سواء كان علة مؤثرة أو معدة و اذا جوزتم ذلك انسد عليكم باب اثبات الصانع فانا بينا فى النمط الرابع انا لو جوزنا استناد الممكن الى ما يكون سابقا عليه بالزمان لم يتمكن الفلاسفة المجوزون لوجود حوادث لا بداية لها من اثبات الصانع و ان كانت موجودة معها كانت حادثة فكانت مفتقرة الى أسباب آخر و يكون الكلام فيها كالكلام فى الأول فيقتضى الى وجود علل و معلولات لا نهاية لها دفعة واحدة و محال و لهذه السؤال مزيد تقرير ذكرناه فى سائر كتبنا الفلسفية و الكلامية و هذا