شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٢٨ - (تنبيه في تمهيد اولى المقدمتين للقياس على جواز الاطلاع على الغيب
(اشارة [في جواز الاطلاع على الغيب بالتجربة و القياس]
التجربة و القياس متطابقان على أن للنفس الانسانية أن تنال من الغيب نيلا ما فى حالة المنام فلا مانع عن أن يقع مثل ذلك النيل فى حال اليقظة الا ما كان الى زواله سبيل و لارتفاعه امكان و أما التجربة فالتسامع و التعارف يشهدان به و ليس أحد من الناس الا و قد جرب ذلك فى نفسه تجارب ألهمته التصديق اللهم الا أن يكون أحدهم فاسد المزاج نائم قوى التخيل و الذكر و أما القياس فاستبصر فيه من تنبيهات)
التفسير الغرض من هذا الفصل بيان امكان الاخبار عن الغيب على سبيل الاجمال و تقريره أن معرفة المغيبات فى النوم ممكنة فوجب أن يكون فى اليقظة أيضا ممكنة أما بيان المقدمة الاولى فالتجربة و التسامع أما التجربة فهو أن يتفق للانسان أن يرى شيأ فى المنام ثم وقع أما صريح ذلك الرؤيا أو تعبيره و ذلك يدل على ما قلناه و أما التسامع فهو أن من لم يتبين له ذلك فلا شك أنه قد سمع بالتواتر حصول هذا الامر لخلق عظيم من الموجودين فى الوقت و الماضين أما بيان المقدمة الثانية فهو أنه لما صح ذلك فى حال المنام لم يمكن القطع على استحالته حال اليقظة بل لو قدرنا أن الناس لم يجربوا وقوع ذلك من النوم لكان استبعادهم عن حصول هذا المعنى حال النوم أشد من استبعادهم عنه حال اليقظة فانه لو قيل لواحدان جمعا من الاذكياء مع كمال عقولهم و سلامة حواسهم و ذكاء قرائحهم و قوة أفكارهم و أنظارهم احتالوا بكل حيلة لتحصيل معرفة بعض المغيبات فعجزوا ثم ان واحدا منهم صار كالميت و بطلت حركته و ادراكه و عرف ذلك المغيب لقيل بان ذلك محال و لاحتجوا عليه بان ما عجز عنه القوى الكامل فالناقص الضعيف أولى بالعجز عنه و لكن وقوع هذا الامر مرارا كثيرة حال النوم مما زال الاستبعاد و العناد فثبت بما قررنا أن حصول معرفة المغيبات لما كان ممكنا حال النوم فبأن يكون ممكنا حال اليقظة أولى و اعلم أنا لا نستدل بصحة احدى الحالتين على القطع بصحته فى الحالة الاخرى بل على دفع استبعاد المنكر و حصول الرأى لا خلق و الاحرى
(تنبيه [في تمهيد اولى المقدمتين للقياس على جواز الاطلاع على الغيب]
قد علمت مما سلف أن الجزئيات منقوشة فى العالم العقلى نقشا على وجه كلى ثم قد تنبهت أن الاجسام السماوية لها نفوس ذوات ادراكات جزئية و ارادات جزئية تصدر عن رأى جزئى و لا مانع لها عن تصور اللوازم الجزئية لحركاتها الجزئية من الكائنات عنها فى العالم العنصرى ثم ان كان ما يلوحه ضرب من النظر مستورا الا على الراسخين فى الحكمة المتعالية أن لها بعد العقول المفارقة التي هى لها كالمبادى نفوسا ناطقة غير منطبعة فى موادها بل لها معها علاقة ما كما لنفوسنا مع أبداننا و انما ينال بتلك العلاقة كمالا ما حقا صار للاجسام السماوية زيادة معنى فى ذلك لنظاهر رأى جزئى و آخر كلى و يجتمع لك مما نبهنا عليه أن للجزئيات فى العالم العقلى نقشا على هيئة كلية فى العالم النفسانى نقشا على هيئة جزئية شاعرة بالوقت أو النقشان معا)
التفسير قال الشارح رضى اللّه عنه و أرضاه لما ذكر السبب الاجمالى شرع الآن فى ذكر سببه على سبيل التفصيل لكن بيان ذلك مبنى على مقدمتين احداهما أن العقول و النفوس للسماوية عالمة بالجزئيات أما العقول فعالمة بها على وجه كلى و أما النفوس فعلى وجه جزئى و ثانيهما أن النفوس الناطقة لا يمتنع عليها استفادة العلم