شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٠١ - (تنبيه في أن للعارفين درجات
(تنبيه [في أن للعارفين درجات]
ان للعارفين مقامات و درجات يخصون بها و هم فى حياتهم الدنيا دون غيرهم فكانهم و هم فى جلابيب من أبدانهم قد نضوها و تجردوا عنها الى عالم القدس و لهم أمور خفية فيهم و أمور ظاهرة عنهم يستنكرها من ينكرها و يستكبرها من يعرفها و نحن نقصها عليك و اذا قرع سمعها فيما يقرعه و سرد عليك فيما تسمعه قصة لسلامان و أبسال فاعلم أن سلامان مثل ضرب لك و ان أبسال مثل ضرب لدرجتك فى العرفان ان كنت من أهله ثم حل الرمز ان أطقت)
التفسير الجلباب الملحفة نضافلان ثوبه اذا خلعه و قد عرفت ان الغرض من هذا الفصل بيان اجمالى اشرف مرتبة العارفين و لعلو درجتهم فى الحياة لدنيا فضلا عن الآخرة فقال ان لهم مقامات و درجات هم مختصون بها دون غيرهم فى الحياة الدنيا فكانهم عند كونهم فى جلابيب من أبدانهم قد نضوها و تجردوا عنها الى أن نفوسهم لقوتها و كمالاتها صارت كالمجردة المفارقة الذاهبة الى عالم القدس عن أبدانها حال كونها بدنية ثم قال و لهم أمور خفية فيهم فالمراد بها السعادات المتعلقة باحوالهم النفسانية و أمور ظاهرة عنهم و هى الآثار الصادرة عن تلك الكمالات النفسانية من المعجزات و الكرامات و هذه الامور يستنكرها من ينكرها و يستعظمها من يعرفها و نحن نقصها عليك أى نحن نذكر لك تلك الاحوال فى هذا الباب فاذا قرع سمعك فيما يقرعه الى آخره فاعلم ان قصة سلامان و أبسال ليست من الامور العقلية التي يتمكن العقل وحده من الاهتداء اليها و الوصول الى معرفتها بل هى كالاحاجى فان المذكور فيه صفات يكون مجموعها مختصا بشيء واحد الا أن اختصاصها بذلك الواحد بعيد عن الفهم فلا جرم يكون العقل متمكنا من الاستدلال بتلك الصفات على ذلك الشيء و ان كان ذلك صعبا و أيضا فليست هذه القصة من الوقائع المشهورة المعلومة ليستنبط من ظاهر تلك القصة مراد الشيخ منها بل هما لفظان وضعهما الشيخ من عند نفسه لبعض الامور و لما كان كذلك استحال استقلال العقل المجرد بالوقوف عليه الا يرى أن من وضع لفظى السواد و البياض مثلا للسماء و الارض استحال الوقوف على غرض المتكلم بذلك الاصطلاح الا بعد أن يكشف المتكلم عن غرضه منه فظهر مما قلنا أن قول الشيخ ثم حل الرمز ان اطقت ظلم و انه يجرى مجرى التكليف بمعرفة الغيب ثم أجود ما قيل فيه أن المراد بسلامان آدم عليه السلام و يابسال الجنة فكأنه قال المراد بآدم نفسك الناطقة و بالجنة درجات سعادت و الذي قيل ان آدم لما تناول البر أخرج من الجنة فالمراد منه أن النفس الناطقة لما التفت الى القوى الشهوانية انحطت من درجاتها العقلية و صارت محرومة عن السعادات النفسانية اللائقة بها فهذا التفسير مناسب ثم اللّه أعلم بغرضه من هاتين اللفظتين و بالجملة فهذا مما لا يتعلق به شيء من الاغراض العملية
(المسألة الثانية) فى بيان ماهية الزهد و العابد و العارف فصل واحد