شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٠٥ - (تنبيه في إثبات النبوة و الشريعة
مستقرة كلما شاء السر اطلع الى نور الحق غير مزاحم من الهمم بل مع تشييع منها له فيكون بكليته منخوطا فى سلك القدس)
التفسير الغرض من هذا الفصل بيان غرض غير العارف من الزهد و العبادة و بيان غرض العارف منهما أما الزهد فمطلوب غير العارف منه أن يشترى بمتاع الدنيا متاع لآخرة و مطلوب العارف منه هو أن التفات القلب الى ما سوى اللّه يمنعه عن الاستغراق فى محبة اللّه فالعارف يحاول قطع الالتفات الى ما سوى اللّه دفعا للمانع فان العاقل اذا سنح له مطلوبان أحدهما أشرف من الآخر و كان كل واحد منهما مانعا عن الآخر اختار لا محالة ترجيح الشريف على الخسيس فالاشتغال بالله عز و جل و بما سواه متضادان و الاشتغال به أشرف و أبقى فكان بالرعاية أولى فقوله الزهد عند العارف تنزه ما عما يشغل سره عن الحق معناه أن الغرض من الزهدان لا يبقى قلبه مشغولا بما سوى اللّه و أما قوله و تكبر على كل شيء غير الحق فمعناه الاشارة الى درجة أعلى من الاولى و هى صيرورة العبد متكبرا على ما سوى اللّه مستحقرا له لا من حيث انه من مخلوقات اللّه فانه محض الشر المهلك بل من حيث انه هو و أما العبادة فغرض غير العارف منها أخذ الاجرة فى الدار الآخرة و غرض العارف منها أن تصير القوى الجسمانية مرتاضة مناسبة للامر الذي هو مطلوب النفس و هو الاستغراق فى ذات اللّه تعالى حتى اذا صارت مطيعة للنفس مسخرة لها فحينئذ لا تكون عائفة لها عن أفعالها و لا مانعة اياها عن التوجه الى مطلوباتها و الحاصل أن الزاهد و العابد يشتركان فى أن مطلوبهما من الزهد العبادة تحصيل اللذات فى الآخرة لكن الزاهد يطلبها بترك اللذات فى الدنيا و العابد يطلبها بفعل المشاق و تحملها و الأول يسمى مبايعة و الثاني يسمى اجارة
(المسألة الرابعة) فى أنه لا بد من وجود النبي فصل واحد
(تنبيه [في إثبات النبوة و الشريعة]
لما لم يكن الانسان بحيث يستقل وحده بأمر نفسه الا بمشاركة آخر من بين جنسه و بمعاوضة و معارضة تجريان بينهما يفرغ كل واحد منهما لصاحبه عن مهم لو تولاه بنفسه لازدحم على الواحد كثير و كان مما يتعسر ان أمكن وجب أن يكون بين الناس معاملة و عدل يحفظه شرع يفرضه شارع متميز باستحقاق الطاعة لاختصاصه بآيات تدل على انها من عند ربه و وجب أن يكون للمحسن و المسيء جزاء من عند القدير الخبير فوجب معرفة المجازى و الشارع و مع المعرفة سبب حافظ للمعرفة ففرضت عليهم العبادة المذكرة للمعبود فكررت عليهم ليستحفظ التذكير بالتكرير حتى استمرت الدعوة الى العدل المقيم لحياة النوع ثم زيد لمستعمليها بعد النفع العظيم فى الدنيا الاجر الجزيل فى الاخرى ثم زيد للعارفين من مستعمليها المنفعة التي خصوا بها فيما هم مولون وجوههم شطره فانظر الى الحكمة ثم الرحمة ثم النعمة تلحظ جنانا تبهرك عجائبه ثم أقم فاستقم)
التفسير لما شرح ماهية الزاهد و العابد و العارف أولا ثم بين غرض العارف و غيره من الزهد و العبادة حاول فى هذا الفصل اقامة