شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٢٣ - (تنبيه في بيان ما للعارفين من اختلاف الهمم و الاحوال
لكنها عند وصولها الى ذلك الجانب حصل لها من الاستغراق ما لا خير لها من الشواغل الخارجية الحاضرة و أما حال الرجوع فالقول فيه كالقول فى الاتصال
(تنبيه [في بيان أن العارف لا يعنيه التجسس]
العارف لا يعنيه التجسس و التحسس و لا يستهويه الغضب عند مشاهدة المنكر كما تعتريه الرحمة فانه مستبصر لسر اللّه فى القدر و أما اذا أمر بالمعروف أمر برفق ناصح لا يعنف مغير و اذا جسم المعروف فربما غار عليه من غير أهله)
التفسير فى الحديث من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه أى لا يهمه تجسست من الشيء أى تخبرت خبره حسب الاخبار و تحستها أى تفصحت عنها استهواه الشيطان أى استهامه جسم الشيء أى عظم عبر عن كذا من التعبير و المعنى ان العارف لا يكون له همة فى البحث عن أحوال الخلق و لا يغضب عند مشاهدة المنكر لعلمه بسر اللّه فى القدر و لكن تعتريه الرحمة و لذلك فانه اذا أمر بالمعروف كان ذلك بالرفق و اللطف لا بالخشونة و العنف و اذا عظم المعروف لغير أهله فربما اعتراه الغيرة منه لا الحسد لقوله رب هب لى ملكا لا ينبغى لاحد من بعدى
(تنبيه [في بيان أن العارف شجاع جواد صفّاح نسّاح]
العارف شجاع و كيف لا و هو بمعزل عن تقية الموت و جواد و كيف لا و هو بمعزل عن محبة الباطل و صفاح و كيف لا و نفسه أكبر من أن تجرحها زلة بشر و نساء للاحقاد و كيف لا و سره مشغول بالحق)
التفسير هذا الفصل مشتمل على صفات أربعة للعارفين الاثنان الاولان منهما اضافيان و الآخران سلبيان أما الاضافيان فالاول كونه شجاعا و كيف لا و الشجاعة فضيلة مطلوبة لذاتها انما المانع خيال خوف من القتل لكن العارف بمعزل عن تقية الموت و الثاني كونه جوادا و كيف لا و الجود فضيلة مطلوبة لذاتها انما المانع عنها حب المال و العارف منزه عن حب الباطل اذ كل شيء ما خلا اللّه باطل أما السلبيان فاحدهما كونه صفا حالان من لا ينفعل أقوى و أشرف من أن ينفعل من زلة بشر و الاشتغال بالانتقام دليل الانفعال و ثانيهما كونه نساء و كيف لا و الاستغراق التام فى اللّه تعالى يزيل عن قلبه كل ما عداه
(تنبيه [في بيان ما للعارفين من اختلاف الهمم و الاحوال]
العارفون قد يختلفون فى الهمم بحسب ما يختلف فيهم من الخواطر على حسب حكم ما يختلف عندهم من دواعى العبر فربما استوى عند العارف القشف و الترف بل ربما آثر القشف و كذلك ربما استوى عنده التفل و العطر بل ربما آثر التفل و ذلك عند ما يكون الهاجس بباله استحقار ما خلا الحق و ربما أصغى الى الزينة و أحب من كل جنس عقيلته و كره الخداج و السقط و ذلك عند ما يعتبر عادته من صحبة الاحوال الظاهرة فهو يرتاد البهاء فى كل شيء لانه مزية خطوة منها العناية الاولى و أقرب الى أن يكون قبل ما عكف عليه بهواه و قد يختلف هذا فى عارفين و فى عارف بحسب وقتين)
قال صاحب الصحاح رجل قشف اذا