شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١١٤ - (اشارة في بيان احتياج المريد إلى الرياضة و بيان أغراضها
فيه ان شعب الكلام كثيرة فلو مكنا النفس منه بقيت مشغولة بما فيه من الشعب حيث لا يتفرع لسائر المهمات هذا اذا قدرنا خلوه عن جميع الآفات البدنية و النفسانية مع ان الامر بالضد منه كما روى ان الصديق رضى اللّه عنه يعصفص لسانه و يقول هذا الذي أوردنى الموارد و أما التعليل من الاستماع فلان النفوس جبلت على وجه الكمال المطلق و نسبته على حب المحاكاة لئلا ينحط مرتبته فى شيء عن مرتبة غيره فاذا سمع الانسان ما لغيره من حالة كاملة و صفة مطلوبة اما فى الدين أو فى الدنيا توفرت دواعيه على تحصيله حتى انه ربما يلزم الامر فيه فى ذلك الى حصول الشوق فيه الى حصول الضدين نحو أن يتشبه بالزهاد فى التجرد و الانقطاع عن الدنيا و يتشبه بالملوك و الاغنياء فى كثرة الخول و الخدم و الاستعلاء على أهل الدنيا و كل هذه الآفات بسبب المشاهدة و السماع فاما اذا سد المريد على نفسه هذين الطريقين تخلص من أكثر هذه الآفات و أمكنه التوجه الى ما يسعده فى الدنيا و الآخرة و أما المشمومات فليحترز المريد عن الاهوية العفنة و المتغيرة و ليجتهد فى أن يكون مسكنه فى صحراء واسعة و هو بعيد عن التغير ليكون ذلك متلاقيا ما حصل من الخلل الواقع بسبب الرياضة فان الهواء أقوى الاسباب الستة على تغير كيفية البدن و أيضا فلو استعار بشيء من الطيب كان جيدا لانه يمد الاعضاء الرئيسة امدادا بينا و لذلك كان عليه السلام شديد الحب للطيب و أما الملموسات فمن جملتها أمر المنكوح ثم ان المريد ان أمكنه أن يدفع هذه الآفة عن نفسه بالصوم فذلك هو الواجب و لذلك قيل متى جاعت المعدة شبعت هذه الشهوة و متى شبعت المعدة جاعت هذه الشهوة و ان تعذر عليه ذلك تعين التزويج و لكن يكون فى هذه الحالة على شفا جرف لان بتقدير أن لا يحصل شيء من الآفات التي هى أقوى الآفات بالكم و الكيف لكن قهر النفس حال وصول غذائها أصعب من قهرها حال منع الغذاء عنها و منها الملبوسات و يجب أن لا نزاد فيها على ما يدفع ضرر الحر و البرد و أن تكون لطيفة لموافقة الشرع و تقوية الطبع على ما يشهد به الذوق السليم و أما الاحوال النفسانية فهى التي ذكرها الشيخ هاهنا و حصرها فى ثلاثة أمور الأول تنحية ما دون الحق عن متن الايثار و بعين عليه الزهد الحقيقى اما انه لا بد من الزهد فلان الدنيا و الآخرة ضرتان و اما انه لا بد من كونه حقيقيا فلانه اذا تركه بالظاهر و كان القلب معه مائلا اليه لم ينتفع به لان اللّه لا ينظر الى صوركم و لا الى أعمالكم و لكن ينظر الى قلوبكم أجل لا بد و أن يقنع من المريد فى مبدا الامر بالزهد الظاهرى لان الزهد الحقيقى لا يحصل الا بتقدم الزهد الظاهرى فلو منعناه عن الزهد الظاهرى الا عند الزهد الحقيقى لزم الدور بل لا بد من الزهد الظاهرى أو لا ليحصل الحقيقى ثانيا فانهم اتفقوا على أن الرياء قطرة الاخلاص و الثاني تطويع النفس الامارة للنفس المطمئنة و المراد من النفس الامارة قوى الحس و الشهوة و الغضب و التخيل و التوهم و من النفس المطمئنة القوة العاقلة الطالبة لمعرفة اللّه تعالى و محبته و لا بد من البحث أولا عن ماهية هذا التطويع ثم ثانيا عن الاسباب الموجبة له اما ماهيته فاعلم انه روى عن النبي عليه السلام انه قال ما من مولود يولد من بنى آدم الا و يولد معه قرين من الشيطان فقيل له و أنت يا رسول اللّه كذلك فقال و أنا كذلك الا ان اللّه أعاننى عليه فأسلم الشيطان و منهم من أنكر هذه الرواية و قال الرواية الصحيحة فاسلم معناه ان اللّه تعالى أعاننى عليه فاسلم من شره قال لان الشيطان لا يسلم قط و المقصود ان العقلاء اختلفوا فى امكان الرياضية فمنهم من أحالها لان قوة الحس طالبة لذاتها للمحسوسات و قوة الشهوة طالبة للمشتهيات و قوة الغضب طالبة للانتقام و اذا كان الامر كذلك استحال انقطاعها عن هذه الجوانب و تعلقها بالمجردات و أما المحققون فانهم سلموا ذلك و زعموا انه لا يقدح فى غرضهم لانه ليس المقصود من الرياضة أن تصير قوة الحس و الشهوة و الغضب طالبة للامور المجردة بل أن لا تكون مستولية على القوة العاقلة و لا مستعلية عليها فانه متى لم تكن النفس الناطقة مقهورة لهذه القوى توجهت بطبعها الى عالم المجردات القدسية و أما الخيال و الوهم فهما بالطبع ليسا متوجهين الى المحسوسات بل ان
كان الاستعلاء للحس و الشهوة و الغضب تبعاها و الا لصارا متابعين للعقل متصرفين فى الامور المناسبة له و مثاله ان الانسان اذا كان الغالب عليه الشهوة كان عمل الوهم و الخيال فى الامور المناسبة لها و ان كان الغالب عليه الغضب كان عملها فى الامور المناسبة له و ان كان الغلب عليه الانقطاع عن الدنيا و الاقبال على اللّه تعالى كان عملهما فى الامور المناسبة لذلك حتى لا يرى فى النوم الا صور الملائكة و الجنة